آخر تحديث :السبت-18 مايو 2024-06:37م

العالم من حولنا


هل تبسط الصين نفوذها السياسي والإقتصادي على العالم ؟

الأربعاء - 29 أبريل 2020 - 11:36 م بتوقيت عدن

هل تبسط الصين نفوذها السياسي والإقتصادي على العالم ؟

تقرير / محمد مرشد عقابي

تعتبر القوة والثروة من اهم الركائز التي تمنح من يمتلكهما القدرة على السيطرة وبسط النفوذ وهما تتغذيان إحداهما بالأخرى فالثروة تعظم القوة والأخيرة تفتح أفقاً لمراكمة الأولى، لكن لا القوة ولا الثروة بمقدورهما منفردتين أو حتى مجتمعتين تأهيل من يمتلكهما للعب دور "القيادة" فالقيادة يلزمها بعد ثالث وهو الشرعية وهذه بالضرورة مستمدة من منظومة قيمية وأخلاقية.

ويرى الخبير والباحث في الشؤون السياسية د هيثم جنادلة بان من بين عناصر القيادة الثلاثة يبدو مفهوم الشرعية الأكثر التباساً فالإمبراطوريات الغابرة لم تكن بحاجة لإكتساب شرعية ما لفرض سيطرتها على العالم ولكن بعد أن استجدت الضرورة لإدامة السيطرة بأقل الكلف ومن دون مقاومة من قبل الشعوب والمجتمعات المسيطر عليها بدأت المراكز الدولية الناشئة بالبحث عنها أو حتى تخليقها تارة من كتب السماء ورسالاتها فكانت الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية وأخرى من مفاهيم الإعمار والتحديث كما في تجربة الإستعمار القديم والجديد وثالثة من مفهوم تعميم العدالة الإجتماعية وإلغاء الفوارق بين الطبقات كما رأينا في تجربة الإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي.

واضاف : ان تنجح الصين في فرض قيادتها للعالم ولنظام عالمي جديد فهذا أمر يبدو مستبعداً بغياب العنصر الثالث للقيادة وهو الشرعية فقد عرفت البشرية في تاريخها أشكالاً مختلفة من السيطرة الإمبراطورية والإستعمارية بيد أنها ستنتظر حتى انبلاج عهداً جديد لتشهد انقلاب السيطرة إلى قيادة بامتلاك الولايات المتحدة لعناصر القيادة الثلاثة القوة والثروة والشرعية المبنية على مبادئ "ويلسون" الأربعة عشرة والدعوة لنشر قيم الحرية والديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، حيث وفي كل مرة كانت الولايات المتحدة تنحرف فيها عن هذه المنظومة القيمية كانت قيادتها للعالم تتحول إلى شكل من أشكال السيطرة والإستبداد، وعند الحديث عن نهاية الحرب الباردة وسقوط المعسكر الإشتراكي نجد بان الباب قد فتح لتعميم القيادة الأميركية للعالم لكن الصين بوصفها أحد قطبي هذا المعسكر إلى جانب الإتحاد السوفياتي ستهتدي إلى ابتداع نظام هجين سيمكنها دون شك من تفادي السقوط أو تأجيله وهو نظام مزج بين أنماط الحكم السياسية الشمولية تحت مظلة الحزب الواحد والقائد ونظام اقتصادي يعتمد اقتصاد السوق والتجارة الحرة.

امام المحلل السياسي محمود خريبيط فيقول : طوال العقود الثلاثة الماضية نجحت الصين في صنع معجزة اقتصادية وتحولت من مجتمع زراعي فلاحي متخلف إلى مصنع العالم ومورد للكثير من سلاسل الإنتاج في الإقتصادات العالمية الكبرى وشركاتها العملاقة العابرة للقارات وتربعت في خانة ثاني أكبر اقتصاد في العالم متحفزة للمنافسة على الموقع الأول وتأمل في انتزاعه من الولايات المتحدة في غضون عقدين أو ثلاثة عقود قادمة، مضيفاً بان ثروة الصين المتعاظمة مكنتها من بناء عناصر القوة الأخرى ومن بينها العسكرية فالجيش الشعبي الصيني الذي نشأ على مفاهيم حرب العصابات والمسيرة الكبرى تحول اليوم إلى جيش حديث ينافس في البر والبحر والجو والفضاء أقوى جيوش العالم وأحدثها مع ميزة إضافية مستمدة من الفائض السكاني لبلد يزيد سكانه عن خمس سكان العالم،
بخلاف إمبراطوريات ومراكز دولية تبادلت السيطرة على العالم فقد اعتمدت الصين القوة الإقتصادية الناعمة لبسط نفوذها وتوسيعه ولم تلجأ إلى قوتها العسكرية الخشنة إلا في أضيق النطاقات ولفترات محدودة وتحاشت التورط في الصراعات وبؤر الأزمات المشتعلة في العالم ولم تبدي اهتماماً بمسألة طبيعة أنظمة الحكم في الدول التي تتعامل معها فهي انفتحت حيثما أمكن على أعرق الديمقراطيات الغربية من دون أن تتخلى عن تعاملاتها مع نظم استبدادية فاسدة ومجرمة فالصين لم تحرر اقتصادها من قيود "الإشتراكية الصارمة" فحسب بل وحررت سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية من فكرة "تصدير النموذج" التي حكمت الصراع بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي الأمر الذي ساعد الصين على تطوير مشروع "الحزام والطريق" فالدول المنخرطة في هذا المشروع ليس لديها ما تخشاه من الصين فهذه لا متطلبات لها ولا شروط خارج حسابات الربح والخسارة والأمر متروك لسلطات البلدان الأخرى لتقرر ما الذي يفيد اقتصاداتها وما الذي يضعها بين أنياب التنين الصيني.

وقال : أدركت الصين خصوصاً تحت قيادة "شي جينبينع" حاجتها لشرعية قيمية وأخلاقية تمكنها من الإنتقال من "السيطرة" إلى "القيادة" فشرعت في التخلص من دون مراجعة أو نقد ذاتي من إرث مؤسسها "ماو تسي تونغ" وتحديداً ثورته الثقافية باهظة الكلفة حيث أخذت تبحث في تعاليم "كونفوشيوس" عن قيم السلام والتسامح ومحبة الجيران وتوادهم ومقابل رآية القيم الإنسانية المشتركة التي طالما رفعها الغرب بقيادة الولايات المتحدة ترفع بكين اليوم رآية المستقبل الإنساني المشترك فالعالم متعدد الثقافات والحضارات والأديان يمكنه أن يتشاطر المستقبل ذاته وبكثير من التعاون والتبادل الإقتصادي والتجاري النافع لمختلف الأطراف دون أن تجد أي من بلدانه حاجة للتخلي عن أي من قيمها وبالأخص شكل نظامها السياسي ومنظومة الحقوق والحريات المتاحة للمواطنين وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو "نظرية العقد الاجتماعي" وفيما كانت الصين تطور رؤيتها الخاصة لعناصر القيادة الثلاثة وتحديداً في العقد الأخير كانت الولايات المتحدة تشهد تراجعاً في دورها القيادي العالمي وتخبطاً في إدارة سياساتها الخارجية وانسحاباً من المسرح الدولي لصالح نزعات انكفائية داخلية بلغت ذروتها مع الإدارة الحالية وإن كانت لم تبدأ معها، أما على المستوى الداخلي فكان النموذج الأميركي في الحرية والديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان يمر بأكبر امتحان له في المئة عام الأخيرة من صعود قوى اليمين الإنعزالي "الشعبوي" وما تستبطنه من مواقف مناهضة للاجئين والمهاجرين والأقليات والنظام القضائي والصحافة والإعلام وما يخلفه من حالة انقسام واستقطاب غير مسبوقين في المجتمع الأميركي، وفي الوقت الذي تتعاظم فيه الإنتقادات للصين لعدم شفافيتها وإفصاحها عن وباء كورونا في وقت مبكر كانت إدارة واشنطن تحظى بإنتقادات مماثلة لكن القوتين العظيمتين لن تدعا "كورونا" تمر من دون أن تسجلا أهدافاً مؤلمة إحداهما في مرمى الأخرى بالذات لجهة الطعن في شرعيتها القيمية والأخلاقية فواشنطن تحمل بكين وحزبها الشيوعي وزر إنتشار الفيروس والصين تسعى في إبراز الطابع الأخلاقي لسياستها الخارجية عبر منظومة المساعدات التي هبت لتقديمها للعديد من الدول المنكوبة وبصرف النظر عن الخصومة السياسية معها لذلك من الصعب الجزم من الآن عن من سيكون الرابح أو الخاسر في المباراة الأخلاقية أو الصراع على الشرعية بين العملاقين فالبشرية جمعاء ما زالت في قلب المعمعة والحرب ضد الفيروس لم تضع أوزارها بعد بين القطبين.

اما الباحث الإقتصادي عزت الدحدوح يقول : في الأزمة الراهنة التي احدثها الوباء العالمي المنتشر حالياً حول العالم نستطيع القول أن الصين ربما تكون كسبت الجولة الأولى ضد خصمها التقليدي اميركا فهي اليوم تحظى بإشادات دولية واسعة رسمية وشعبية على إدارتها الحاسمة للأزمة ومد يد العون لدول أخرى منكوبة بالوباء لكن الصحيح أن ثمة جولات قادمة ستقرر النتيجة النهائية لهذه المنافسة فمن سيخترع العلاج ومن سيكتشف اللقاح وهل سيجري التعامل بأنانية مع هذه الإختراعات والإكتشافات العلمية غير المسبوقة؟ وهل سيجري تسييسها بحجبها عن الخصوم؟ وهل ستتغلب المعايير الإنسانية على المعايير التجارية عند تعميمها؟.

واضاف : تستطيع الصين أن تمضي بعيداً في بناء عنصري القوة والثروة وستتمكن من بسط سيطرتها الإقتصادية والمالية خاصة على مساحات واسعة من العالم، لكن الصين ستظل تواجه مأزقاً حقيقياً حين يتعلق الأمر بالعنصر الثالث للقيادة الشرعية فلا تعاليم كونفوشيوس ولا نظرية المستقبل الإنساني المشترك تحمل أجوبة مقنعة لأسئلة البشرية وتساؤلاتها في لحظة اشتداد الحاجة لنظام عالمي جديد أو في لحظة البحث عن حلول لمأزق الديمقراطية المتفاقم والأرجح أن الإجابة على هذه الأسئلة والتساؤلات ستأتي من الغرب وليس من الشرق لا سيما إن تعافت مراكزه الكبرى من أزماتها الإقتصادية والسياسية والأخلاقية، كما انه من الصعب الجزم عن الرابح أو الخاسر في هذه البطولة الأخلاقية أو الصراع على الشرعية بين العملاقين الأميركي والصيني، بل ان الصين ستواجه مأزقاً مزدوجاً فكلما تعزز نفوذها الإقتصادي العالمي اشتدت حاجتها لمنظومة قيمية تتشاطرها مع العالم وتعزز دورها القيادي بدلاً عن دورها المسيطر وكلما تنامى دور قطاعات الأعمال الخاصة والحرة في اقتصاداتها كلما اشتدت الضرورة لخلق المواءمة الضرورية بين نظامها السياسي "الأحادي" ونظامها الإقتصادي "التعددي" لذا قد تسجل الصين نجاحات كبرى في تمديد نفوذها في دول آسيا وأفريقيا وربما تنجح في تعظيم تجارتها وتبادلاتها وديونها لدول غربية عديدة وهو ما سيجعل منها قطباً دولياً أساسياً ولكن من ضمن نظام متعدد الأقطاب لكن أن تنجح الصين في فرض قيادتها للعالم ولنظام عالمي جديد فهذا يبدو امراً مستبعداً بغياب العنصر الثالث للقيادة وهو الشرعية وستكون الصين ايضاً أمام تحدي الإختيار بين واحد من خيارين إما أن تكتفي بدورها كقطب ضمن أقطاب متعددة تبسط سيطرتها على مجال حيوي معين في الجغرافيا السياسية والإقتصادية العالمية أو أن تتكيف مع حاجة البشرية لمستقبل مشترك مبني على منظومة قيمية وأخلاقية مشتركة بعد أن يكتشف أن البشرية التي سئمت الإمبراطوريات السلالية والنظم الشمولية والكهنوتية والرجعية ستظل تواقة لحريتها وتعدديتها وحقوقها غير القابلة للتصرف.