آخر تحديث :الثلاثاء-28 مايو 2024-09:17ص

العالم من حولنا


الفيروس التاجي يكشف ضعف الرأسمالية ويفضح زيف الحضارة الأوروبية.

الثلاثاء - 21 أبريل 2020 - 06:41 م بتوقيت عدن

الفيروس التاجي يكشف ضعف الرأسمالية ويفضح زيف الحضارة الأوروبية.

تقرير / محمد مرشد عقابي

أدى النظام العالمي الرأسمالي إلى التقريب بين أنحاء العالم على المستويين التقني والإقتصادي وهو ما خلق مفارقة كبيرة كشفتها جائحة كورونا إذ إن هذا الترابط بين الشعوب والأمم لم يشجع على التفاهم بين البلدان كما أن سهولة السفر والحركة حول العالم أسهمت في تفشي الجائحة.

واعتبر عدد من الخبراء والمحللين أن التقدم لا يعني نفع الإنسانية حيث تستغل الدول الكبرى التقنية الحديثة لصالحها وتفشي ظاهرة الوحشية ولعنف والصدامات المسلحة بين الناس وهو ما يوحي باننا لا نزال نعيش قيم العصر الحجري.

ويرى الخبراء أن العولمة حولت العالم إلى سوق كبيرة من خلال التكنولوجيا المتطورة التي قربت المسافات بين القارات ولكن تجاوز عائق المسافات لم يؤد لإرساء الحوار بين الشعوب وهو ما أدى إلى تعزيز فكرة الإنغلاق على الهوية وصعود السياسات القومية الخطيرة، والسوق العالمية التي نعيش فيها لم تتمكن من خلق مشاعر الأخوة بين الشعوب بل على العكس من ذلك خلقت حالة من الخوف والذعر من المستقبل، وفيروس كورونا يسلط الضوء على هذه المفارقة ويجعلها أكثر وضوحاً للجميع وهذا الوضع يذكر بالأزمة الإقتصادية في ثلاثينيات القرن الماضي عندما اتجهت دول أوروبية وبشكل خاص ألمانيا نحو القومية المتطرفة.

ويعتقد الخبراء والمحللين أن تطورات الإقتصاد الرأسمالي هي من خلقت المشاكل الكبرى التي يواجهها الكوكب الآن مثل تدمير البيئة والأزمة العامة في الأنظمة الديمقراطية وتزايد التفاوت الطبقي وغياب العدالة بين الناس والتسابق نحو التسلح وصعود الأحزاب والشخصيات الإستبدادية والديماغوجية مثلما يحدث في الولايات المتحدة والبرازيل، وطفرة الإقتصاد والمال والبضائع كان يعتقد أنها وحدت العالم ولكنها في الواقع خلقت فقط سوقاً ضخمة دون روح أو وعي أو معرفة ونحن أصبحنا مجرد زبائن ولسنا أفراداً في العائلة الإنسانية والأمر لم يقتصر على ذلك بل إن هذه الرأسمالية المتوحشة دمرت البيئة والديمقراطية والمساواة الإجتماعية وكل اشكال الحياة الجميلة ويمكن ملاحظة هذه المفارقة على نطاق مصغر عبر النظر في العلاقات الشخصية بين الناس إذ إن تفشي الفيروس مثل تحدياً للإيديولوجيا الكامنة التي سيطرت على الحملات الإنتخابية في السنوات الأخيرة عندما شهدنا تكرار شعارات أنانية يطلقها بعض الساسة وهي شعارات قدمت صورة مشوهة عن الإنسانية وجعلت الأمر يبدو كما لو أن كل فرد يمثل جزيرة معزولة عن الآخرين.

من جانبه يرى الفيلسوف الفرنسي المخضرم إدغار موران في حوار مع احدى الصحف الإيطالية أنه بات من الضروري اليوم التشجيع على خلق نوع من الوعي المشترك بين سكان العالم بناء على أسس إنسانية وذلك من أجل تشجيع التعاون، مضيفاً بانه قد أظهر لنا هذا الوباء أن الإنسانية تمثل قارة موحدة وأن البشر مرتبطون ببعضهم بشكل عميق إذ إننا في هذه اللحظات العصيبة من الوحدة والعزلة بعيداً عن المشاعر والأصدقاء والمجتمع أصبحنا أكثر وعياً بحاجتنا للآخر، وكثيرون رفعوا شعار أنا سأبقى في المنزل ليس فقط لحماية نفسي بل أيضا لحماية الآخرين الذين هم جزء من مجتمعي.

ويمضي موران قائلاً : إن الإجراءات والتدابير الإحترازية والصحية المفروضة لمجابهة انتشار فيروس كورونا أجبرت الناس على البقاء في المنزل وأيقظت فيهم مشاعر الأخوة ففي فرنسا على سبيل المثال كل مساء عند الساعة الثامنة يخرج الناس للنوافذ والشرفات للتصفيق وتقديم التحية للأطباء وأطقم المستشفيات الذين يعملون في الخط الأول في مجابهة المرض، ومع ذلك عملتنا التجارب السابقة أن الأزمات الخطيرة يمكن أن تؤدي لتفاقم ظواهر الإنغلاق باعتبار أن البعض يشرعون مباشرة في البحث عن كبش فداء يلقون عليه اللوم وهو عادة ما يكون الأجنبي أو المهاجر ضحية لها.

كما يرى موران أن أوروبا في مواجهة أزمة الطوارئ الصحية كشفت مرة أخرى عن عجزها عن التخطيط المشترك وتنفيذ إستراتيجيات الدعم والتضامن فالإتحاد الأوروبي الذي أصبح مجرد مجموعة من السياسيين وأصحاب البنوك ارتكب مجزرة في حق القيم والمبادئ الأوروبية الحقيقية فخلال العقود الماضية أجهض كل محاولة لخلق وعي مشترك وموحد واليوم كل بلد داخل الإتحاد يدير أزمته بشكل منفصل عن الآخر دون أي تنسيق حقيقي.

ويأمل الفيلسوف الفرنسي ان تولد من رحم هذه الأزمة الروح الجماعية التي ستمكن الأوروبيين من تجاوز أخطاء وعثرات الماضي وأهمها سوء إدارة أزمة تدفق المهاجرين وإعطاء الأولوية للحسابات المالية قبل القيم الإنسانية وغياب السياسة الدبلوماسية المؤثرة في التعاطي مع الأزمات الطارئة، معتبراً تصريح رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" السوداوي والصادم في بداية الأزمة حين طلب من البريطانيين الإستعداد لفراق أحبتهم ومشاهدة الآلاف من ضحايا الفيروس يمثل نموذجاً صارخاً حول تفضيل الحسابات الإقتصادية على الجانب الإنساني، فالأنظمة الرأسمالية مستعدة للتضحية بالفئات الهشة والضعيفة أي "المسنين والمرضى" وهو أمر يتماشى تماماً مع منطق الإنتقاء الطبيعي ونظرية "داروين" حول البقاء للأصلح وهو ما اثبتته واقعاً هذه الأزمة كما يحصل في اقتصاد السوق حيث نرى أولئك الذين لا يستطيعون المنافسة يكون مصيرهم الفناء بينما البقاء يكون للأقوى وتطبيق هذا المنطق على البشر يكشف عن قسوة الليبرالية الجديدة ولذا فإن خلق مجتمع إنساني حقيقي اليوم يبدأ أولاً بالوقوف في وجه هذا الفكر الدارويني الإجتماعي الضيق وإزالته مهما كان الثمن، مشيراً إلى أن هناك جانب مشرق في هذه الأزمة وهو النوع الإيجابي من العولمة والمتمثل في انخراط الباحثين من كافة أنحاء العالم في تعاون دولي للتغلب على الفيروس وهو ما يظهر مثلاً من خلال وصول أطباء صينيين وكوبيين إلى إيطاليا وهذه الأحداث تمثل أخباراً إيجابية وعلامة تبعث الأمل طالما تتواجد شبكة عالمية من الباحثين تقوم بجهود من أجل مصلحة البشرية وتعمل بشكل عابر للبلدان وتتعامل مع مختلف اللغات والعرقيات.

وعلى صعيد متصل حذر العديد من المراقبين من تبعات تدهور قطاع الخدمات الصحية الحكومية في أوروبا وأميركا بسبب سطوة الفكر الرأسمالي والنظر إلى المريض على أنه بضاعة مزجاه وتحويل المستشفيات إلى مجرد شركات إستثمارية، منبهين إلى أن هذه التناقضات في الولايات المتحدة واوروبا يمكن أن تؤدي الى عواقب غير محمودة ولذلك يجب استباق الأحداث وتعميم الرعاية الصحية للجميع، مؤكدين بان بلداً يقتصر فيه الدخول للمستشفيات والحصول على الأدوية على الأثرياء لا يمكنه الوقوف في وجه الوباء وترك غالبية الشعب ليواجهوا مصيرهم لوحدهم يعني زيادة انتشار الفيروس دون أية قدرة على احتوائه، مشيرين إلى أن العولمة والأزمة الحالية كشفت عن قصر نظر السياسات الصناعية للدول فأوروبا تعاني من نقص كبير في الأقنعة الطبية لأنها ارتكبت خطأ في السابق عندما تخلصت من هذه الصناعة وتركتها للصين بسبب عدم ربحيتها كما أن الرعاية الصحية والتعليم يمثلان أسس الكرامة البشرية حيث إن الحق في الحياة والحق في التعلم هما من أهم شروط تقدم الأمم وازدهارها ولكن المشكلة هي أن هذين القطاعين أصبحا تحت إدارة الشركات والفكر الرأسمالي، لذلك يمكن القبول بمواصلة إدارة المستشفيات والمدارس والجامعات على أساس الربح المالي بل يجب التفكير في إنشاء مواطنين أصحاب عقول متفتحه ومنتجه وذلك من خلال العودة للإعتماد على الخدمات الحكومية التي تراجعت كثيراً في العقود الأخيرة.