آخر تحديث :السبت-25 مايو 2024-02:49ص

صفحات من تاريخ عدن


صفحات من تاريخ عدن .. ابنائها اليهود ( التاريخ والنشأة 2 - 2 )

السبت - 23 يوليه 2011 - 02:00 م بتوقيت عدن

صفحات من تاريخ عدن .. ابنائها اليهود ( التاريخ والنشأة  2 - 2 )
صور ليهود في مخيم حاشد في عدن-عدن الغد

عدن (( عدن الغد )) خاص

  يكتبها: بلال غلام حسين

 

في الأسبوع الماضي تحدثنا عن بداية نشأة المجتمع اليهودي في عدن والبدايات الأولى لدخولهم لهذه المدينة.  وفي هذا العدد سوف نعرج معا مع الجزء الثاني على سرد تفاصيل هذا المجتمع من جميع النواحي, حتى يتسنى للقارئ الكريم الإطلاع تاريخ مدينة عدن وكيف كان لكل الأجناس دور في تنمية ورُقي هذه المدينة الحالمة, والتي احتضنت كل الأعراق دون تفرقة.

 

المعبد اليهودي الكبير:

 

كان هناك أكثر من عشرة معابد يهودية في عدن, وأكبرهم كان (Magen (Avraham أي نجمة أفراهام, ومعروف أيضا (The Great Synagogue) أي المعبد الكبير, والذي تم بناءه على موقع سابق لمعبد يهودي يعود تأريخه للعام 1856م, وكان موقعه في شارع السبيل, وتم هدمه مثل الكثير من المعالم التاريخية التي تم طمسها بعد عام 1994م.  وكان هذا المعبد يعتبر واحدا من أروع المعابد في العالم, ويسع لألف شخص, كان معظم الرجال يأتون للصلاة يوميا ولكن في يوم السبت يحضر الجميع للتعبد, نظراً لأن هذا المعبد كان يعتبر نقطة التجمع المحورية للمجتمع اليهودي.  وفي يوم السبت لم تكن هناك حركة سيارات تُشاهد في المربع اليهودي, ولم تكن هناك أية محلات تجارية لليهود تُفتح في كريتر أو في التواهي (.(Steamer Point  كان من ضمن الأشياء المرافقة للمعبد, (Beth Hamedrash) أي بيت الدراسة, وكان فيها أول مطبعة يهودية فريدة من نوعها والتي أسسها (مناحيم عواد, (Mnachem Awaad في العام 1891م, حيث كانت معظم البطاقات البريدية تُطبع في مطبعته, وكان مع طباعته لتلك البطائق يضع أسمه عليها كحق للناشر والتعريف بمطبعته.

 

مدرسة شُليم اليهودية للفتيات:

 

قبل العام 1929م, لم تكن هُناك مدراس يهودية للفتيات, حيث أن العديد من الفتيات كانوا يدرسون في مدرسة الرهبنة للكاهن الصالح, وكانت هذه المدرسة حتى وقت متأخر من العام 1960م, هي المدرسة المفضلة للكثير من الفتيات وأهاليهم.  وفي العام 1929م, أسس الرئيس الرابع للجالية اليهودية, شُليم مناحيم موشيه هذه المدرسة, لتكون المدرسة الوحيدة المتخصصة لتعليم فتيات المجتمع اليهودي, وكانت تعرف سابقاً بمدرسة جنة شالوم اليهودية للفتيات, وكان موقعها بجانب مدرسة الملك جورج الخامس اليهودية للأولاد في الطرف الشرقي من مبنى البنك الشرقي ((Eastern Bank في شارع أروى في كريتر, وتعرضت كغيرها من الممتلكات اليهودية لأضرار جسيمة في أعمال الشغب التي حصلت ضد اليهود في العام 1947م.  كان مستوى التعليم فيها على مستوى محدود, لذا كانت الأسر الثرية ترسل أطفالها إلى المدارس الحكومية مع مدرسين عرب, أو إلى مدارس خاصة, أو إلى الهند.  أُغلقت المدرسة في العام 1966م, عندما أصبح عدد المجتمع اليهودي محدوداً وغير قادر على دعم هذه المدرسة.

 

مدرسة الملك جورج الخامس اليهودية للأولاد:

 

في ديسمبر العام 1907م, تلقى المقيم السياسي في عدن رسالة من الرابطة البريطانية اليهودية في لندن مفادها, بأنه تم الاقتراح على أنشاء مدرسة يهودية في عدن, وكانت الرابطة قد كتبت قبلها إلى الرئيس الثالث للجالية اليهودية (يهودا مناحيم موشيه) يستفسرون عن تكاليف التشغيل للمدرسة التي يمكن للجالية اليهودية أن تقدمها.  وقد كان يهودا نشطاً في العامين الماضين لإنشاء مدرسة يهودية في كريتر, ولكن المشكلة كانت هي أيجاد موقع مناسب يكون بالقرب من الحي اليهودي, وإلا لن تأخذ الأمهات أبنائها إلى المدرسة, وكان أقرب موقع هو بالقرب من المسلخ القديم في كريتر.

 

وكان المقترح الأخر الذي قدمه يهودا هو, على موقع المراحيض العامة والتي كان يجب تحويلها إلى مكان أخر, لأنها للأسف كانت تقع في الطريق المؤدي إلى خزانات الطويلة, حيث كان على الزوار من العائلات المالكة, والأثرياء المرور من نفس الطريق وهم ذاهبون لمشاهدة المعالم السياحية.  ومن المُعوقات أيضاً أن السلطات الحكومية لم تكن مقتنعة بأن المدرسة ستكون قابلة للاستمرار مالياً من دعم يهودا فقط, حيث سيكون هناك نقص كبير في الدخل.  وكان لابد الخروج من المأزق الذي وقع فيه يهودا.   وفي العام 1911م, أستطاع يهودا أن يضمن بأن يفي بجميع النفقات, حيث أستطاع توفير مبلغ وقدره 25,000 ألف روبية لشراء أو تأجير سوق شعبي ومن دخله سوف يغطي تكاليف المدرسة.  كان هدف يهودا الأساسي من أنشاء المدرسة هو, تدريس التعاليم الدينية اليهودية إلى جانب الدروس الأخرى باللغة العبرية.  

 

وعلى الرغم أن السلطات لم تكن مقتنعة من ناحية الضمانات التي قدمها يهودا, ولم تقبلها رسميا, إلا أن يهودا أستطاع في الأخير ببناء المدرسة بمجهوده الشخصي.  وفي ليلة عيد الميلاد في العام 1912م, بعث يهودا برسالة إلى المقيم السياسي يخبره فيها بأنه قام ببناء المدرسة لأحياء ذكرى زيارة صاحب الجلالة الملك جورج الخامس لعدن في نوفمبر1911م, وبأنه يسعى للحصول على الموافقة بتسميتها مدرسة الملك جورج الخامس, وكان ذلك هو المخرج للدعم الحكومي, حيث منحته أدارة بومباي الأذن في مارس 1913م.  وتظهر الخرائط الهيكلية لمدرسة جورج الخامس بأن موقعها مجاور لمدرسة السيلة Residency School)).  وفي مارس من العام 1920م, قام الميجر ميك (Major (Meek مساعد المقيم السياسي في عدن, والمسئول عن جميع مدارس عدن بجولة تفتيشية للمدرسة, ووجد في سجل المدرسة مائتان وخمسون طالبا من الفتيان يدرسون في تلك المدرسة, حيث أن تسعون منهم لا يدفعون أية رسوم.  

 

كانت المدرسة تُدرس جميع المواد للأولاد الذين هم مابين سن الخامسة و الثالثة عشرة باللغة العبرية, وكنت أغلبها في التعاليم الدينية, ولم يكن تدرس فيها اللغة العربية, ولا حتى الحروف الأبجدية.  وجد الميجر ميك منظر المدرسة في جوهرها من الطراز القديم, مع عدم بدل المجتمع اليهودي أي جهد للدمج في المجتمع العربي أو التحديث, حيث كانت عقليتهم تتركز في حماية مجتمعهم فقط.  كان يهود اليمن مكبوحين, ومحتقرين, لألف وثلاثمائة عام, وتقاسم يهود عدن نفس المصير, وحيث أن الأخير أي يهود عدن, ولكن بعد فترة وجيزة صار اليهود مدموجين مع المجتمع العربي وعاشوا أفضل فترة ذهبية في السنوات العشرون الأخيرة من حكم الإدارة البريطانية في عدن.  

 

 

وفي العام 1921م, تمت الموافقة على طلب اليهود لفتح مدرسة يهودية أخرى, وفي الواقع كان ذلك أعادة فتح مدرسة سابقة التي بناها موري سليمان جمال في العام 1913م, والتي كان يحضرها مئة وواحد من الفتيان وسبعة فتيات, حتى انضمامه إلى موظفي مدرسة الملك جورج عند افتتاحها.   وكانت المدرسة السابقة التي بناها موري سليمان جمال عبارة عن هبة, وتضم أربعون تلميذا فقط, حيث كان هو وأبنه المعلمين الوحيدين.  وكانت تُقدم تعليم متكامل وليس كمدرسة الملك جورج التي كانت الدراسة فيها محدودة ومركزة على المستوى الأساسي فقط.  وإلى جانب مدرسة موري في العام 1920م, كانت هناك خمس مدارس صغيرة غير رسمية, كانت تُدار من بيوت خاصة.  أستدل الميجر ميك بأن هناك البعض من المجتمع اليهودي ممن يرغبون بتطوير طريقة معيشتهم, ولهذا السبب لاحظ بأن هناك اتجاه متزايد من قبل يهود عدن للعثور على زوجة من فلسطين وليس من عدن. 

 

أعمال شغب عام 1947م:

 

حتى العام 1947م, كان المجتمع اليهودي القوي في عدن وقوامه 8550نسمة, وعلى الرغم من بعض الاستياء الكامن من العرب, إلا أنه عاش في هدوء نسبي.  وقبل ثمانية عشرة عاما وبالتحديد في العام 1929م, لم تشكل الاضطرابات بين اليهود والعرب في فلسطين أي تأثيرا على المجتمع اليهودي في عدن إلى حد كبير, وكان السبب في ذلك يعزو إلى عدم وجود صحافة في عدن آنذاك, والتواصل المحدود بين العرب في عدن وفلسطين.  وفي تلك الفترة كانت هناك الدوافع الدينية نادرة لتسبب أي إشكال بين أبناء عدن واليهود, ولكن حدثت أعمال شغب محدودة نسبياً ضد اليهود في العام 1932م, بالمقارنة مع أعمال الشغب التي حصلت بعد ثلاثة أيام بعد تصويت الأمم المتحدة وقرارها بتقسيم فلسطين في العام 1947م, عندها صارت حياة يهود عدن لا تُطاق في عدن ومحطمة بشكل لا يمكن أصلاحها.

 

احتجت الكثير من الدول العربية سلمياً على هذا القرار, وأعلنت الإضراب لمدة ثلاثة أيام في أعقاب قرار الأمم المتحدة في 30 نوفمبر, واندلعت الاحتجاجات ضد اليهود في عدن وسرعان ما دخلت في دوامة العنف الدموي المنفلتة, عندما أُتهموا بقتل فتاتين محليتين.  سوف تضل أهوال 3 ديسمبر 1947م, محفورة في أذهان من بقى على قيد الحياة من يهود عدن بعد أن تدخل البوليس المحلي في الموجة الدموية بين اليهود والمسلمين التي وقعت في الحي اليهودي في كريتر, حيث نتج عن ذلك قتل 87 يهوديا, وأصيب الكثيرون ودمرت المئات من منازل اليهود ونُهبت محلاتهم.  وشعر المجتمع اليهودي ببعض الارتياح ولا سيما عندما سمعوا بأن جيش محمية عدن سيحضر لحمايتهم, ولكنه غض الطرف عن أعمال العنف الحاصلة ضدهم, بل وقام بإطلاق النار عليهم بشكل عشوائي مما أسفر عن مقتل الكثيرين منهم.   و وردت تقارير عن حالات عنف فردية حصلت ضد اليهود في كريتر. 

 

وفي الوقت نفسه كانت هناك تقارير أخرى تفيد من أن بعض المسلمين قاموا بمخاطر شخصية لمساعدة أصدقائهم من اليهود بالدفاع عنهم وتوفير ملاذ أمن لهم.  سادت حالة من الفوضى لمدة أربعة أيام, حتى تم جلب قوات من مشاة البحرية الملكية البريطانية لإخماد الاضطرابات, وتم تطويق الحي اليهودي بأسلاك شائكة, ولعدة أشهر صار المجتمع المعاقب خائفا من المغامرة في الخروج من المربع اليهودي, وكانت السلطات البريطانية تقوم بتزويدهم بالمواد الغذائية, وصار المجتمع اليهودي مشلولاً اقتصاديا, لأن معظم المتاجر والشركات اليهودية نُهبت ودُمرت, كم تم إحراق أربعة معابد يهودية, وأحرقت المدرستين اليهوديتين.  وبعدها بفترة غادر العديد من اليهود مدينة عدن إلى بلدان أوربية, وذهب العديد منهم إلى إسرائيل.  ولا ننسى أن نُنوه بأن جزء من تلك الاضطرابات كانت بإيعاز من البريطانيين والذين كانوا يريدون من وراء ذلك تهجير يهود عدن إلى إسرائيل لتوسيع المجتمع اليهودي هُناك.

 

مقابر اليهود:

 

كانت هناك عدة مقابر يهودية موجودة في مدينة عدن, وكانت أقدم وأول مقبرة موجودة تقع في كريتر بجانب السوق البلدي في المنطقة التي تُعرف بالحفيرة وموقعها تحت شرطة كريتر.  ولكن عندما قررت الحكومة رصف شوارع عدن في الخمسينات, طلب المهندسون تربة من نوع خاص لتعبيد الشوارع وكانت هذه التربة موجودة في ذلك الموقع, وبعد الاستئذان من مسئولي الجالية اليهودية تم هدم تلك المقبرة وأخذ التربة منها بعد حفر الموقع لذا باتت معروفة لدينا بالحفيرة, وتم نقل المقبرة إلى موقعها الجديد في المعلا ولازالت موجودة هُناك.  كما أنه كانت هناك أضرحة تُشير إلى وجود مقابر يهودية في مواقع متفرقة في عدن, مثال منطقة حقات وغيرها من المواقع.

 

وبهذا نكون قد طوينا صفحة مهمة من صفحات تاريخ عدن في عصرها الذهبي.   وسنعرج في الأسبوع القادم مع صفحة جديدة سوف نختارها من حقيبة عدن التاريخية.

    

 

 

ممرضين وممرضات يهود في عدن

 

 

  

يهود من عدن في مستشفى مخيم حاشد في عدن

 

صورة توضح إحراق سيارة تابعة لليهود في عدن

  

 

مُدرسات وطالبات مدرسة شُليم اليهودية للفتيات في عدن

صورة نادرة لمجموعة من يهود عدن وهم يتدارسون التوراة فيما بينهم

المدرسة اليهودية للأولاد في كريتر بعد حرقها أبان الأضطرابات التي شهدتها عدن ضد اليهود عام 1947م

أحدى حالات السلب والنهب التي طالت متاجر اليهود في عدن عام 1947م

صورة للأضطرابات ضد اليهود في عدن بجانب المنارة عام 1947م

صورة توضح النهب الذي حصل لمحلات اليهود في عدن عام 1947م

المدرسة اليهودية للأولاد بعد إخماد النيران عام 1947م

صور ليهود في مخيم حاشد في عدن 1

صور ليهود في مخيم حاشد في عدن 2

أحدى أضرحة اليهود في حقات عام 1870م

حرق سيارة يهودي في عدن عام 1947م

مقبرة اليهود في المعلا