آخر تحديث :الأحد-19 مايو 2024-07:39م

صفحات من تاريخ عدن


صفحات من تاريخ عدن.. مدينة التسامح الديني والعرقي والإنساني ( 2-2)

السبت - 23 أبريل 2011 - 03:22 م بتوقيت عدن

صفحات من تاريخ عدن.. مدينة التسامح الديني والعرقي والإنساني ( 2-2)
صورة لكنسية كاثوليكية بمنطقة صلاح الدين بمديرية البريقة حولت اليوم الى مسجد

خاص/ عدن الغد

كتب /بلال غلام حسين

قليلة هي المدن  في العالم التي عرفت التعايش الانساني بين كل الكيانات الإنسانية وعرفت ثقافة القبول بالاخر واعتنقتها وساد التسامح الديني فيها ورفض كل مافيها لغة الالغاء والتطرف والرفض.

قبل عقود طويلة من حديث العالم اجمع عن حوار الحضارات وضرورة القبول بالاخر كانت هنالك مدينة  تدعى عدن تعيش تزاوجا روحيا بين كل أقطاب العالم المتصارعة .

قبل عقود من حديث البشرية عن التسامح بين الاديان كانت عدن وحدها المدينة التي ترتفع فيها أصوات متداخلة لاصوات صلوات مختلفة بينها الإسلامي والهندوسي ويعقبهما المسيحي واليهودي.

تعايش الكل في هذه المدينة بهدوء وسلام على بعد أمتار فقط من المسجد الإسلامي كان هنالك المعبد اليهودي  وليس ببعيد كان صليب المسيح يعلو شامخا في سماء المدينة ذات التاريخ العريقة.

أنها عدن المدينة التي تتسع لكل شيء ويحاول اليوم البعض الغاء تاريخها ووجودها واثرها وحضارتها وكل شيء فيها  أنها عدن المدينة التي احتضنت الكل ومنحت ولم تبخل ولم تشح في يوما باي عطف أو حنان او ثقافة أو علم وكانت رائدة.

تجلت قدرة الخالق سبحانه وتعالى على هذه الأرض الطيبة البسيطة الحالمة, من خلال تعايش كل البشر والديانات والأعراق فيها.  هذه القدرة الإلهية جعلت هذا التعايش سهل وبسيط بساطة الناس من أبناء هذه الأرض الطيبة العريقة التي ذكرت في كل الكُتب المنزلة والأحاديث.  قال عنها الرحالة الفرنسي (ذي لاروك) قبل ثلاثمائة عام عند زيارته لها عام 1709م, في كتابه: ( إنها أفضل مكان في شبه الجزيرة العربية بأسرها, لأن المدينة التي تحمل هذا الأسم هي الأشهر والأهم في تلك البلاد كافة..).  وأمام هذا الرقي الحضاري الذي جعل من عدن قبلة ومحطة, يتقاطرون إليها من كل فج عميق, فرادى أو جماعات للتجارة أو التوطن والإقامة, فكانت بحق موطناً للكثير من الناس بمختلف ثقافاتهم ودياناتهم وجنسياتهم, فامتزجت ثقافتهم بثقافتها, فشكلت نسيج اجتماعي وثقافي وحضاري لا مثيل له, أساسه التسامح الديني والمساواة.  وفي هذا الجزء الأخير من هذا الموضوع الشيق سوف نعمل على موافاتكم بسرد موجز لبعض المساجد والكنائس والمعابد القديمة منذ نشأتها في عدن, مع ذكر بعض أسماء المساجد القديمة أيضاً نظراً لضيق المساحة.

 

مسجد أبان:

يعتبر مسجد أبان واحد من أقدم المساجد المتواجدة, ويقع في حي كريتر, وعلى الرغم من أن تصميمه لم يكن يوجد به مئذنة إلا أنه تميز عن غيره من المساجد بعاملين: أولهما, هو التصميم وجمال النمط الزخرفي على النوافذ والأبواب والأعمدة.  والميزة الثانية التي تميز بها هو أن أسمه أرتبط بالقاضي الشرعي والعالم الإسلامي وحفيد الخليفة الثالث, أبان أبن عثمان أبن الحكم أبن عثمان أبن عفان, رضي الله عنه ـــ الذي تولى خلافة المسلمين في سنة ( 23هـ / 644م ). وقد أجمعت كتب التاريخ أنّ هذا المسجد الجامع ، كان قبلة نوابغ العلماء الكبار وجهابذة الفقهاء، وقبلة طلاب العلم وكذلك قبلة طلاب الشهرة.  وصفته أكثر المصادر التاريخية أنه كان “ أحد مساجد عدن المشهورة بالبركة، واستجابة الدعاء، ونجاح الحوائج، وفيه أقام العالم الجليل الإمام أحمد بن حنبل المتوفى ( 241 هـ / 856م ).  هذا المسجد تم ترميمه مرات عديدة, إلا أنه في العام 1996م, تم هدمه بالكامل وإعادة بناؤه, ولكن من المحزن أنه من خلال هذا العمل العبثي فقد هذا المسجد خاصيته التاريخية والتي أتسم بجمال زخرفته الإسلامية. 

 مسجد العيدروس في كريتر

مسجد العيدروس:

مسجد العيدروس والذي يقع في حي كريتر, وسمي بهذا الأسم نسبة إلى الشيخ أبوبكر بن عبدالله العيدروس, والذي قدم إلى عدن في حوالي العام 1485م, 980 هجرية.  توفي الشيخ أبوبكر العيدروس يوم الثلاثاء 14 شوال 1508م. 

 

مسجد الشيخ جوهر:

وتذكر المصادر أنّ الشيخ الكبير، قطب أقطاب الصوفية في عدن أبو البهاء جَوهَر بن عبد الله العدني المتوفى ( 626 هـ / 1229م ).  كان الشيخ يعمل بزازاً ( بائع للأقمشة ) في سوق أبان، وكان كثير الاعتكاف في هذا المسجد، قبل أنّ يتولى منصب المشيخة عن شيخه أبا حمران.  ومازال قبر بن جوهر معروف وهو مدفون في مسجده المسمى على أسمه في حي القاضي بـ ( كريتر) عدن القديمة.  

أحدى مساجد الشيخ عثمان قديماً

 

مسجد العسقلاني:

مسجد العسقلاني أو مسجد البيحاني الرابض في أخر شارع ( حسين على ) المقابل لحي القطيع أقدم الأحياء السكنية بــعدن القديمة ( كريتر) وتذكر الروايات التاريخية أنّ هذا المسجد قطع من العمر نيف وستمائة سنة.  ويقال أنّ هذا المسجد سميا بمسجد العسقلاني لكون الإمام الحافظ بن حجر العسقلاني, قد أقام فيه لمدة ستة شهور، وألقى الكثير من العلوم الدينية فيه عند زيارته لثغر عدن.  وتذكر المصادر أنّ الشيخ علي بن عبد الله اليافعي قام بترميمه وتوسعته في العقد الثالث من القرن الثالث عشر الهجري / القرن التاسع عشر الميلادي.  وفي سنة ( 1369 هـ / 1950م ).  هدم هذا المسجد من أساسه، وأعيد بناءه على أحدث الطرز المسجدية حينئذ, ولقد بلغ تكلفته أربعمائة واثنين وثمانين ألف روبية هندية، وأشرف على هذا العمل الجليل الشيخ سعيد بن أحمد بازرعة، وقام المقاول الحاج محمد عثمان اليمني ببناء المسجد ـــ حسب قول الشيخ محمد سالم بيحاني في مؤلفه ( رسالة نحو المسجد ). وتذكر الروايات أنّ اسم مسجد العسقلاني ارتبط أيضًا باسم الشيخ محمد سالم البيحاني ـــ ويعد من كبار العلماء الإجلاء، وكان يلقي دروسه بصورة مستمرة في هذا المسجد، ويلقي أيضًا فيه خطب الجمعة والمناسبات والأعياد الدينية.

ومن بين المساجد القديمة الموجودة في عدن هي: مسجد العراقي و مسجد النور والذي تم بنائهما في العام 1959م, وأيضاً مسجد الذي بني في العام 1963م, وكذلك مسجد الرضاء والذي بني في العام 1967م, وهناك أيضاً مسجد الهاشمي الشهير في الشيخ عثمان والذي تعود نسبته إلى هاشم بحر, وبانصير، وأبي الليل، وجوهر، والعراقي، وعلوي، والخوربي، والشوذري، وعبد الله عمر، وبن علوان، وحامد المهدلي، وخواص والذي بناه الحاج خواص بن سيف الدين في سنة 1325هـ (1907), وأحمد هندي، وخدابخش وهو المعروف تاريخيًا بمسجد الشجرة ... “ . وأيضاً كان هناك مسجدين واحد يتبع طائفة البهرة ويقع في شارع الشيخ عبدالله في حي كريتر, والأخر للطائفة الأثنى عشرية ويقع في طريق العيدروس في حي كريتر.

 

الكنائس:

كنيسة سانت ماري جاريسن في كريتر بُنيت 1867م

كان لوجود الكنائس في مدينة عدن دليل على وجود التسامح الديني التي أشتهرت به عدن, وكانت هناك مجموعة كنائس موجودة في كريتر, والتواهي, وخورمكسر ومن هذه الكنائس:

 

كنيسة سانت أنتوني ((St. Anthony's Church:

 من خلال تبرعات العامة, ومساهمة الحكومة بُنيت هذه الكنيسة والتي تتسع ل 350 شخص في مدينة التواهي, بواسطة المطران هاردينج ((Bishop Harding, في 10 يناير 1864م, بمساحة 96 فوت طول, 52 فوت عرض.  وكانت قديماً تسمى كنيسة الصخرة, كونها كانت تقع في كهف تحت مقر المكتب الرئيسي للجيش البريطاني, وبعد إعادة بناء الكنيسة مرة أخرى في الستينات, أبقت الكنيسة على صخرة الكهف حتى تكون بمثابة تذكار يرمز إلى تاريخ هذه الكنيسة.  حالياً تقدم الكنيسة خدمات طبية لمعالجة مرضى العيون, وتمارس أيضاً شعائرها أسبوعياً.

 

كنيسة سانت ماري جاريسن (:(St. Mary's Garrison Church 

وتقع على تلة جبل كانت تطل على ثكنة المشاة الأوربية.  بُنيت هذه الكنيسة محل كنيسة صغيرة كانت متواجدة في الموقع نفسه.  تم العمل في عملية بناء هذه الكنيسة في العام 1867م, وتم الأنتهاء من بنائها في العام 1871م, وهي من الطراز الفيكتوري وتسع ل 350 شخص.  وتم تعيين المطران دوجلاس ((Bishop Douglas, من قبل الحكومة آنذاك, وكان القداس يقدم كل يوم أحد وأحياناً خلال أيام الأسبوع.  أُستخدم المبنى قبل وبعد الأستقلال لأغراض عديدة منها مقر للمجلس التشريعي.

 

كنيسة سانت جوسيف في كريتر حالياً مدرسة أروى شُيدت في العام 1850م

 كنيسة سانت جوزيف -St.Joseph'sChurch -                                                                                  

 بُنيت هذه الكنيسة في العام 1850م, وتقع في حي كريتر, على طريق الملكة أروى.  وكانت ثانوية القديس سانت جوزيف ملاصقة للكنيسة, وكانت تسمى قديماً مدرسة البعثة الكاثوليكية الرومانية الخاصة بالفتيات, وكانت تحت إشراف كبيرة الراهبات من البعثة الكاثوليكية الرومانية.  وقد قُدمت الكثير من الراهبات البريطانيات إلى عدن في العام 1868م, لدراسة الفتيات في هذه المدرسة.

 

إلى جانب هذه الكنائس المهمة, كانت هناك كنائس فرعية أخرى مثل, كنيسة سانت أندروز ((St. Andrew's, وكان موقعها في قاعدة الطيران الملكي البريطاني في خورمكسر, وكنيسة سانت ميشيل, وكنيسة سانت جورج, وكنيسة سانت مارتن وغيرهما من الكنائس الفرعية.

 

المعبد الفارسي في كريتر

معابد الهندوس والفُرس:

وكان لوجود هذه المعابد إضافة عميقة للتسامح الديني والإنساني لعدن وسكانها. وإليكم هذه القائمة لعدد من معابد الهندوس والفرس التي كانت موجودة في عدن وضواحيها.

 

معبد شري تيريشميرجي الهندوسي (:(Shree Tricamiraiji-Havel

 تم بناء هذا المعبد في العام 1862م, ويقع في شارع حسن علي في كريتر, ولم تُعد تمارس فيه أية شعائر هندوسية نظراً

لمغادرة العديد من الهندوس للمدينة, ودخول العديد منهم في الإسلام.

 

معبد شري رام جي: -Shree Ramji Temple- 

 تم بناء هذا المعبد في العام 1875م, وكان موقعه بجانب كلية أكاديمية البوليس في التواهي.

 

معبد هانومان -Hanoman Temple-

شُيد هذا المعبد في العام 1882م, وكان موقعه في الشيخ عثمان.  وهذه قائمة للمعابد الهندوسية التي كانت متواجدة في عدن قديماً ومنها: معبد شري جين في كريتر, معبد شري ناتا جي ناندهير في كريتر, معبد شري شنكر هنومان, وغيرها من المعابد الفرعية التي كانت موجودة آنذاك.

 

برج الصمت في كريتر والذي يضع فيه موتى الفرس, بُني في العام 1935م

معبد النار الفارسي ((The Parsee Fire Temple:

 تعود أصول الطائفة الفارسية الزردستشية إلى إيران (بلاد فارس), لقد كان الفارسي دائماً معروف بالمغامرة والجرأة, وكان الكثير منهم يسافر إلى الشواطئ البعيدة للتجارة وجمع الأموال, وفي بعض البلدان بناء بعضهم معابد النار لتلبية الإحتياجات الدينية والروحية للطائفة الفارسية التي أستقرت في تلك البلدان.  وأحد هذه المعابد الفارسية تم بنائها في مدينة عدن في حي كريتر, بالقرب من خزان بلاي فير كما كان يسمى سابقاً, خزان الطويلة حالياً بواسطة رجل الأعمال الفارسي قهوجي دنشهاو إيدن والا ((Cowasjee Dinshaw Adenwalla, في العام 1883م.  وإضافة إلى ذلك شيد رجل الأعمال نفسه, بما يسمى (البرج الصامت) فوق هضبة جبل بالقرب من جبل شمسان, وتبعد حوالي 200 متر جنوباً من خزانات الطويلة, ويطل على معبد النار في حي كريتر, وكان يُستخدم للتخلص من موتاهم بحسب الطقوس الزردستشية, ولكن بعد ظهور الشيوعية في العام 1967م, صارت هذه من ممتلكات الدولة.

 

 

معابد اليهود:

المعبد اليهودي الكبير في كريتر والذي كان موقعه في شارع السبيل بُني في العام 1856م وكان يسمى (ماجين أفراهام)

 وأخيراً نأتي للتطرق عن وجود المعابد اليهودية في عدن ونشأتها تاريخياً.

 

المعبد الكبير -The Great Synagogue

كان هناك أكثر من عشرة معابد يهودية في عدن, وأكبرهم كان ((Magen Avraham ))أي نجمة أفراهام, ومعروف أيضا (he Great Synagogue) أي المعبد الكبير, والذي تم بناءه على موقع سابق لمعبد يهودي يعود تأريخه للعام 1856م, وكان يعتبر واحدا من أروع المعابد في العالم, ويسع لألف شخص.  كان معظم الرجال يصلون يوميا ولكن يوم السبت يحضر الجميع إلى المعبد حيث أنه كان يعتبر نقطة التجمع المحورية للمجتمع اليهودي.  في يوم السبت لم تكن هناك حركة سيارات تشاهد في المربع اليهودي, ولم تكن هناك أية محلات تجارية لليهود مفتوحة في كريتر أو التواهي. كان من ضمن الأشياء المرافقة للمعبد, (Beth Hamedrash) أي بيت الدراسة, وأول مطبعة يهودية من نوعها والتي أسسها (مناحيم عواد, (Mnachem Awaad في العام 1891م.

 

وبعد هذا السرد المفصل لتاريخ الطوائف والجاليات والديانات المختلفة, نقول للعالم أجمع هذه هي عدن... مدينة السلام والمحبة والتسامح منذ الأزل, والتي لم تكن يوماً تعرف الأحقاد والكراهية, واحتضنت كل البشر بمختلف طوائفها ودياناتها, لتُعرف العالم أجمع معنى التعايش الإنساني, لأن مدينة كهذه يتعايش فيها كل البشر دون تمييز لا يمكن أن تموت.

مسجد مدينة الشعب اقدم المساجد بمديرية البريقة

صورة لمسجد الطائفة الأثنى عشرية في كريتر والواقع في طريق العيدروس

كنيسة سانت أنتوني في رأس مربط في التواهي

مسجد العسقلاني في كريتر

*[email protected]