آخر تحديث :الإثنين-17 يونيو 2024-03:46ص

صفحات من تاريخ عدن


عدن زمان: ذكريات قصة الصومالي .. وحرب السويس

الأربعاء - 24 سبتمبر 2014 - 12:00 ص بتوقيت عدن

عدن زمان: ذكريات قصة الصومالي .. وحرب السويس
صورة لميناء عدن في عام 1864م .

عدن((عدن الغد))خاص:

 

كتب: محمد أحمد البيضاني 


كثيرآ من الأحداث قد حدثت في عدن وهذا جزء من تاريخ عدن ، لم يكن هناك تسجيل للأحداث البعض يعرفها لقربهم منها والبعض الآخر لا يعلم بها أحد سوى القليل ، ولم يكن هناك إهتمام بالتسجيل لهذه الأحداث، وقد كانت هناك أحداث ذهبت في عالم النسيان. شاءت الصدف أن أعايش تلك الأحداث وبعضها قد أطلعت عليها من ملفات الشرطة التي أنضممت إليها عام 1962 - سنوات القمة في الأحداث. كنت سعيد الحظ حين أطلعت عليها ولم أفكر يومآ من الأيام أن أقوم بتسجيلها أو حتى كتابتها. أحداث مهمة وبعد سنين مرت من العمر تخوفت أحيانا حتى الكلام عنها أو حتى تسجيلها. لقد كادت بعض هذه الأحداث أن تذهب في عالم النسيان ، أجلس اليوم بعد 42 سنة مرت من العمر لأدونها حتى لا تضيع ، والكثير قد ضاع. كانت سنوات 1960 - 1967من أهم السنين في تاريخ عدن. تلك الفترة التي شهدت الثورة ثم الإستقلال ، وبعدها تلك المآسي التي عصفت بالبلاد والعباد.

 


جاءت الثورة المصرية عام 1952 لتغير جو التفكير في عدن ، بدأت الثورة في عدن وبدأ الحس الوطني بين الناس وتشكلت النقابات في عدن ، دخلت عدن جو الثورة وكان هناك إستعداد تام لذلك ومنها ثورة اليمن 1962. ثورة مصر وثورة اليمن لعبت دورآ كبير في إشعال البركان في الجزيرة العربية ، وكانت عدن أول بداية الطريق. كان لتأميم قنال السويس صدى كبير في العالم العربي وأفريقيا والشرق الأوسط ، وضريت جريدة مصر الناطقة التي كانت تعرض في سينمات عدن دورآ كبيرا في الثورة ، وكانت محطة صوت العرب تلعب هذا الدور وتستنهض الشعور الوطني . لعبت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل دورآ مهما في هذا المجال ، والغلطة الكبرى التي صنعتها بريطانيا هي إنها ما زالت تعتقد بدورها الإستعماري الرئاسي في الشرق الأوسط ، ونسى أنتوني إيدن إن الإمبراطورية أنتهت بعد الحرب العالمية الثانية ، تصرفت بريطانيا على هواها دون أنت تستشير أمريكا ، فكان الغزو الثلاثي. غزت 3 جيوش مصر تريد إحتلال قنال السويس وإعادت الأمور كما كانت ، فكانت الكارثة الكبرى التي دقت آخر مسمار في نعش الإمبراطورية البريطانية.

 


كان الغزو هو الغلطة التاريخية - أستعملت بريطانيا أقوى قواعدها العسكرية القريبة من المنطقة ومنها قواعد بريطانيا في عدن ، وكان في عدن .. قيادة القوة البحرية والجوية والجيوش البرية. والقاعدة الثانية كانت قبرص ولم تكن في مستوى قواعد عدن. أنطلقت البوراج البريطانية من موانئ عدن ، وانطلقت أسراب الهوكر هنتر تصف مدن القنال ومدينة السويس . أعلنت مصر الحرب الشعبية ، ولم تفكر بريطانيا بالعواقب الوخيمة. وقف العرب في كل مكان بجانب مصر ، حتى في المستعمرات البريطانية العربية خرجت المظاهرات تؤيد جمال وشعب مصر . تحولت القضية إلى قضية وطنية في البلاد العربية . وأصبح جمال عبد الناصر زعيم العرب والبلاد العربية ، ولم يقف أحد بجانب بريطانيا حتى من كان يؤيدها قبل الغزو. لم يدرك السير أنتوني إيدن أن تبلغ الأحداث هذا المستوى ، كان يعيش آخر أفكار الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط.


ما هي قصتنا ؟؟ كنت أعمل في مركز بوليس المعلا عام 1965 - كنت ضابط شاب و لا أعرف معنى لكثير من الأحداث . في أحد الأيام أتاني شخص من ميناء عدن ، كان يريد التعين في قيادة زوارق قطر البواخر ودخول البواخر إلى الميناء ، وهذه اللنشات يطلق عليها باللغة الإنجليزية - Tug Boats . في المركز قاموا بعمل روتيني معقد في غاية الغرابة ، اخذوا عدة صور للرجل المتقدم للوظيفة ، والبصمات ، وطلبوا منه كفيل ذو ثقة ، أخذوا منه بيانات كثيرة ومعقدة ، وفي آخر الأمر أرسل ملفه إلى قيادة الإستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط ، وأرسلوا الملف إلى قسم - الفرع الخاص – Special Branch - إدارة المخابرات في قوة بوليس عدن . فكرت طويلآ وطويلا عن سبب كل هذه الإجراءات المعقدة في وظيفة سائق لنش . استدعيت عريف له خدمة طويلة في قوة بوليس عدن . قال لي : يا سيدي الملازم هناك قصة خطيرة أدت إلى كل هذه الإجراءات وهي قصة تاريخية لم يسمع عنها إلا أفراد وبعضهم مات ولا يكتب أو يدون. في عام 1956 عام الغزو الثلاثي كانت هناك مدمرة بريطانية في الميناء تتزود بالنفط لتبحر إلى مصر لتقصف مدن القنال ، كان على مقربة منها لنش القاطرات ويقوده رجل صومالي ، نظر الصومالي بأسى إلى تلك المدمر التي تقصف موانئ القنال.

 


ثارت النخوة في ضمير الصومالي وهو يرى تلك المدمرة، وصوت العرب ينادي العرب للوقوف مع مصر الجريحة. شغل الصومالي اللنش القاطر بسرعة قصوى – Full Speed وتوجه صوب المدمرة يريد أن يصدمها ليغرقها ، كان يساعده عربي من أبناء المنطقة ، من منطقة لا أريد ذكر أسمها خوفآ من الحساسية ، وكان هذا مساعد الصومالي ، رأى اللنش يتوجه إلى المدمرة ليصدمها لتغرق ، جاء من خلف الصومالي وضربه بقارورة زجاجية فسقط على أرض اللنش ، سيطر على اللنش وحول مسير اللنش بعيدآ عن المدمرة ، بينما صعق بحارة المدمرة وهم يروا ذالك النش المتوجه نحوهم بسرعة ، ولم يستطيعوا إيقافه - كانت القضية .. قضية ثواني . وقف اللنش بعيدآ عن المدمرة ، وذهب رجال المدمرة ونقلوا الصومالي إلى المستشفى بعد أن أصيب بجرح خطير ، وبقى في المستشفى 8 أشهر ومنها إلى المحكمة والسجن وسفر من عدن. وصرفت للعربي من أبناء المنطقة جائزة مالية كبيرة.

 


ومن ذلك اليوم أتخذت كل هذه الإحتيطات في الميناء ، وعملوا كل هذه الإجراءات المعقدة حتى يمنعوا مثل هذا الحادث الذي نفذه صومالي بطل - صحى ضميره .. نقول لهم .. يا زعماء الجبهة القومية هل فيكم أحد مثل هذا الصومالي يحمل هذا الضمير .. لقد مات ضميركم في 13 يناير - وعدن تغوص في دمها ..

 

- كاتب عدني ومؤرخ سياسي  - القاهرة