آخر تحديث :الأحد-19 مايو 2024-08:38م

صفحات من تاريخ عدن


عدن زمان : الحناء العدنية .. والحجة فطوم

الجمعة - 27 يونيو 2014 - 09:23 م بتوقيت عدن

عدن زمان : الحناء العدنية .. والحجة فطوم
أسواق عدن .. هذه الجميلة التي تقع في طريق القوافل القادمة من الشرق .. شرق السحر والفن والجمال .. شرق العطور والتوابل .

عدن((عدن الغد))خاص:

 

محمد أحمد البيضاني 

 

يا حجة فطوم ..كانت لبلادنا عراقة قديمة في التاريخ البشري ، وكانت أسواق عدن .. هذه الجميلة التي تقع في طريق القوافل القادمة من الشرق .. شرق السحر والفن والجمال .. شرق العطور والتوابل التي علمت الغرب معنى الحضارة والبذخ الإنساني الذي يسبح في بحور العطور والبخور ، كانت عدن تضج بأمواج البشر للتجارة ولشراء الطيب والأعشاب ، عدن مستودع الشرق الأوسط . سأحدثك يا حجة فطوم أولآ عن " الحناء" .. هذه العشبة السرية التاريخية المقدسة ولها إستعمالات كثيرة من دواء إلى صبغة و نوع من العطر ، الحناء نبات شجيري من العائلة الحنائية ولها أخشاب صلبة تحتوي على مادة ، تحتوي الحناء على مادة قابضة معروفة بأسم " التانين " ، وفي الطب الشعبي التقليدي يستعمل الحناء كدواء لقروح الفم واللثة بواسطة الغررة ويجب عدم بلع مسحوق الحناء . قالت الحجة أصبر يا محمد بأعمر ماي فرست بوري ، وبا اجيب لك "هلوه" - حلوى عدنية ، وقهوة قشر مزغول .

 


قالت الحجة فطوم متى عُرفت الحناء في عدن . قلت لها منذ الآلاف السنين وفي طفولتي لم يكن هناك مكيفات هواء في عدن ، ففي الصيف تكون الحرارة مرتفعة فتظهر على أجسام الأطفال حبيبات طفح جلدي ، يعرف ب " الحراره " ، فتقوم أمهاتنا بمزج الحناء بكثير من الماء حتى يصبح سائل ويغسلوا الأطفال بالحناء حتى تبرد أجسامهم ، وتختفي "الحراره" ويصبح الجسم بارد ، حينها لم تكن البودرة متواجده .. بودرة الأطفال . في الخمسينيات ظهر زنج بودر – أي زنك باودر – Zinc Powder ثم البودرة الشهيرة .." جونسون أند جونسون" للأطفال فأختفت الحناء و"الحراره" الطفح الجلدي من دنيا الأطفال في عدن . قالت الحجة فطوم ضاحكة أصلكم عيال حافة القاضي تلعبوا كرة في الحافه ظُهر ، حافه عيالها جن .. من يلعب كُبه في الشمس، يا تلعبوا كُبه يا تتجادلوا بالحجار.. مرفالة معويله.

 


يا حجة فطوم ..لم تفقد الحناء دورها فبقت الصباغ المشهور لشعر جداتنا وأجدادنا ، حيث تمزج الحناء بقليل من الماء حتى يصبح كثيفآ ويترك طويلآ حتى يتخمر ويستعمل كصباغ للشعر وهو صباغ صحي وطبيعي ، تستعمل الحناء في طقوس الزواج حيث يقوموا "بتحنية" العريس والعروسة وبعض الضيوف وهو يوم خاص يسمى "يوم الحناء" وهناك زفه وأغنية خاصة .. تقول : يا علا محنا .. يا علا محنا .. سعد يا مسعود .. سعد يا مسعود .. بخروا بالعود. وعرف العرب قديمآ نقش الحناء ، وأعظم من خلد ذلك قصيدة يزيد بن معاوية .. "نالت على يدها" .. إنها قصيدة الحناء الخالدة : نَالَتْ عَلَى يَدِهَا مَا لَـمْ تَنَلْـهُ يَـدِي -- نَقْشاً عَلَى مِعْصَمٍ أَوْهَتْ بِهِ جَلَـدِي -- كَأنـهُ طَـرْقُ نَمْـلٍ فِـي أنَامِلِـهَا -- أَوْ رَوْضَةٌ رَصَّعَتْهَا السُّحْـبُ بالبَـرَدِ -- كأَنَّهَا خَشِيَـتْ مِنْ نَبْـلِ مُقْلَتِـهَا -- فَأَلْبَسَتْ زَنْدَها دِرْعـاً مِـنَ الـزَّرَدِ . أبتسمت الحجة فطوم إبتسامة جميلة وقالت يا سلام لَحن هذه القصيدة الرائعة فنان حضرموت الفنان الخالد محمد جمعه خان ، وسجلها في عدن في الخمسينيات على أسطوانات عند طه مستر حمود.

 


يا حجة فطوم .. كانت العجايز في عدن ينذروا نذور لتحقيق الآمال .. أمالهم البسيطة الصادقة .. صدق ونقاء بلادنا العظيمة التاريخية ، تنذر العجايز أن تحني عيال الحافه بالحناء وتوزع عليهم حلاوة بيضاء أبو سكر ، وقهوة "ستنا خديجة" . نذرت الخالة زينب حكميه وفي العصر وقفت في نافدة منزلها في حارتنا حافة القاضي – زغطوط الحكمية المسمى على إسمها ، ونادت النداء المعرف لعيال عدن : عيالوه .. عيالوه . كنا نلعب الكرة فتوقف اللعب ولبينا النداء بفرحة كنا نعرف أن هناك رزق . دخلنا بيت الخالة زينب حكميه وفي الداره – فناء الدار أحضرت الحناء وحنت جميع العيال، ثم أحضرت زنبيل كبير فيه الحلاوة وذهبت تعد القهوة المزغول . هنا حدث حادث كان بعيد عن الحسبان وغير متوقع ، حدث بسرعة وقَلب الميازين من الهدوء إلى العاصفة .. فجأة نهض ياسين عرب الصومالي العدني العريق (سأتحدث عنه في حلقة أخرى – أكبر مُناجم وزُنقل عدني في التاريخ – من أهم وأعز أصدقاء طفولتي) تقدم نحو "الزنبيل الرهيب" زنبيل الحلاوة والحقيقة وفي شهادة تاريخية لم يأخد شئ ، وقف أمام الزنبيل لغرض لا يعرفه أحد حتى يومنا هذا .

 


يا حجة فطوم .. لا أحد يعرف ممن دون تفاصيل تلك المعركة الغامضة وكيف حدثت ، بسرعة البرق قفز نحوه فيصل عبده صالح ، الذي أفاد بعد ذلك إنه أعتقد إن ياسين عرب سيأخد زنبيل الحلاوة ويهرب ، وأقسم يمين ياسين عرب بعد المعركة إنه فقط كان يشتي يشوف الحلاوة - حدث سوء تفاهم غير مقصود – تضاربوا ووقعت مُدراجه بين ياسين عرب وفيصل عبده صالح، هنا هجم جميع العيال والحناء في أيدهم إلى زنبيل الحلاوة ليأخدوا نصيبهم ، دارت معركة شاملة بين العيال ، تقطعت قراطيس الحلاوة على الأرض وتوسخت الجدران والقعايد بالحناء ، وتبادل العيال الضرب والرمي بمطايب الحناء والمجالس الخشبية التي كنا نجلس عليها ، ورأيت بأم عيني صالح زيدان يغسل رأس ياسين عرب ببقية مطيبه حناء و أختلط الحابل بالنابل . ولأول مره في حياتي ولا أدري كيف أستعملت عقلي ولم أتدخل في تلك المعركة المصيرية ، هربت إلى المطبخ عند الخالة زينب حكميه التي هرعت إلى الداره – ميدان المعركة وهي في ذهول تشاهد الحرب الأهلية . على الجدار كانت هناك باكوره أخذتها وضربت الجميع وهرب البعض بأعجوبة ، كانت تصيح : عيال روفلات .. عيال حافة القاضي مش حق ناموس ، جبت لهم الحناء والحلاوة ، أشتي أعرف ليش قلبوا الحنه .. حنة النذر إلى مضرابه .. روحوا عند أمهاتكم .. يلعن أبو ما كروع.

 


ثم جلست على القعاده وهي تضحك وأنا واقف أمامها بكل هدوء وأدب . كانت يرحمها الله سريعة النكتة دوما ضاحكة وأكبر مُناجمه ، وطلبت مني الجلوس وقالت لي: " منيتي ومنايا يا محمد ابني أشتي أعرف ليش هذه المره ما أشتركت في المضرابه والمرفاله ، سبحان من جاب لك العقل . قلت لها يا خاله زينب أنا خليت المضرابه والمرفاله ، أشتيك تشهدي معي عند أمي أني ما شاركت في المعركة ، قالت حاضر وأني متأكده إن أمك زينب عملت لك "حرز" ولهذا خليت المرفاله والمضرابه من يوم ما دخلت مدرسة الدينسي . دخلت المخزن وأعطتني 6 قراطيس حلاوة. كان هناك أيضا سبب رئيسي استراتيجي وعدتني أمي إذا أحسنت الأدب وعدم المضرابه والزنقله ستقوم بمنحي 10 شلن لشراء "جَرم حق الكرة" – أي فانلة رياضية من عند استور أحمد يوسف خان.


كاتب عدني ومؤرخ سياسي