آخر تحديث :الأحد-19 مايو 2024-07:33م

صفحات من تاريخ عدن


عدن زمان : كبريت النجوم .. والحجة فطوم

الجمعة - 20 يونيو 2014 - 12:04 ص بتوقيت عدن

عدن زمان : كبريت النجوم .. والحجة فطوم
كبريت النجوم.

عدن((عدن الغد))خاص:

 

 

كتب: محمد أحمد البيضاني

 

يا حجة فطوم .. أجلس كل مساء في قهوة قريبة من سكني في الدقي اشرب الشاي وأتفرج على الناس وهي في حركة دائمة – مصر شعب حضاري عزيز الكبرياء ، كراسي القهوة في الشارع وهناك تجلس سيدة في مقتبل العمر ولديها مرتبة خشبية صغيرة وتجلس على كرسي تبيع الطماش والفراقيع من عدة أنواع وكبريت النجوم ، يلتف حولها عيال وبنات الدقي الصغيرات من كل الاعمار يشتروا ويلعبوا ويتخانقوا ويتضاربوا ويضحكوا بطريقة جميلة ومحببة على النفس ، يرموا المارين من أهل الحارة بالطماش الصغير ويضحكوا ، اشعر بفرحة تغمرني تهزني وتشدني 60 سنة إلى الوراء .. عدن بلادي وحافة القاضي ملاعب طفولتي. قلت للحجة فطوم با أحازيك الليلة عن كبريت النجوم في رمضان في شوارع عدن. قالت أصبر با أعمر ماي فرست بوري وبا اجيب لك حولايه عطرية وبعدين حازيني من تلك المحازي العدنية التي تركت في طفولتنا أثر كبير لا ينمحي من ذاكرة الليالي و الأيام.

 


يا حجة فطوم تلعب الطفولة دورأ هاما في حياة الإنسان .. إنها الأساس التي يشكل حياته في المستقبل ، كانت لنا طفولة رائعة. بدأت عدن الجميلة من منتصف الأربعينات تخطو خطوات سريعة نحو التطور وكل يوم يظهر شئ جديد للكبير أو الصغير. اقول إن رمضان هو فرحة الأطفال - رمضان هو الأطفال أحباب الله . كنا ننتظر رمضان في شوق ، وكنت أسأل أمي متى سيأتي رمضان – ترد علي أمي ضاحكة ايش با تفرق حق الله - أي الزكاة .. لا تنسى أمك. أول يوم في رمضان أنتظر مغيب الشمس وقدوم الليل – حافة القاضي التي تركت في أعماق أعماقي ذكرى طيبة – يقبل الليل وبعد الصلاة تتحول حافة القاضي إلى نهر من الأضواء ، في أول الحافة أمام بيتنا يخرج مصطفى مسرج كراسي وميز حق الكيرم وقلصان الماء ، ويخرج لمبة تريك للعيال حتى يلعبوا الكيرم ، والثاني مجلس محفوظ باوزير ، والثالت مجلس عيال الموشجي ، والرابع مجلس إبراهيم حداد ، والخامس مجلس عاقل الحارة العم عبد الله خدشي.

 


يا حجة فطوم تتحول حافة القاضي وكل حوافي عدن إلى هذا الكرنفال الإنساني الرائع الذي أختفى من تاريخ أمة . يلعب عيال الحوافي العدنية الكيرم ، البطه ، الدمنه ، وفريق آخر يلعب لعبة العصأ الجميلة، وبنات الحارة الصغار يلعبوا لعبة *الشبدليه* المعروفة عند بنات عدن. ثم تخرج كل الصحون من البيوت يحملها الأطفال وهي ما تبقى من الفطور والعشاء إلى العيال السامرين - لا يوجد تخزين للأكل في عدن. الباقي من أكل أهل عدن يخرج للجيران أو المساكين في الشوارع يأكلوا بجانب البيوت ويعطى لهم الماء البارد. قالت الحجة فطوم لا يوجد جائع في عدن .. عدن أم المساكين. يا حجة فطوم كل شئ في رمضان يتغير إلى فرحة , كل الناس فرحانة تأكل وتنبسط وينتهي الخلاف بين الناس - رمضان هو فرحة الأطفال. يا حجة فطوم كان عوافي في الأيام العادية نصف شلن ولكن في رمضان تعطيني أمي شلن كامل كنت أفرح وأشتري كبريت النجوم من صندقة عبده حلاوة الواقعة في مدخل حافة العجايز , هذه الحافة كنا نلعب معهم كرة ، وهي حافة صديق طفولتي ودراستي المهندس صالح صوفي.

 


قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با أجيب لك حلاوة اللبن وقهوة وبعدين حازيني عن قصة كبريت النجوم. قلت لها عرف كبريت النجوم قديما جدا في تاريخ البشر ، وأول ما عرف في الديانة الهندية و الصينية وبعده أنتقل إلى جوانب أخر من العالم وخاصة في أوروبا أيام أعياد عيد الميلاد. يا حجة فطوم كنت أرجع إلى الحافة وأدخل زغطوط الخالة زينب حكمية ، كانت الزغاطيط في عدن مظلمة و لا توجد كانبات حق الكهربأ ، وجود الكانبات كان في الحوافي فقط. ألصي عود من كبريت النجوم في الظلام الدامس فيتحول في الزغطوط إلى مئات من النجوم .. منظرا لا يمكن أن ينسي من حياتي أتذكره بعد 60 سنة من العمر – كيف مرت لا أدري !

 

بعدها أدخل الحارة ألعب كيرم في مجلس الصديق إبراهيم حداد. يا حجة فطوم ما أدري من لمحني ألعب بكبريت النجوم في الزغطوط لوحدي - حارشوا بي عندي أمي. عندما طلبت عوافي أعطتني غير عادتها نصف شلن ولما أخبرتها عن السبب ، قالت تشتري كبريت النجوم وتلعب به لوحدك في الغدره في زغطوط بيت الحكمية ، هل تعرف إنه في جنية في الزغطوط حق الحكمية - تشتيها تتخاطف بك وتصبح مجنون.

 


قلت لأمي إن كبريت النجوم يحتاج إلى مكان مظلم حتى تشاهد عظمة بريق النجوم، قالت أطلع السقف حق البيت وأني مستعدة أطفي تريكات البيت. وافقت وأعطتني الشلن وخرجت من البيت فرحان من التوصل إلى هذا الحل العادل.
قلت لأمي من طبز بي هذه الطبزه النذله .. قالت ضاحكة خالتك زينب حكمية. قالت الحجة فطوم ايش تشتي سحور .. قلت لها مطبق ولوب ..


كاتب عدني ومؤرخ سياسي  - القاهرة