آخر تحديث :السبت-25 مايو 2024-01:02ص

صفحات من تاريخ عدن


عدن زمان : عيال الهامبو والحجة فطوم

الجمعة - 16 مايو 2014 - 04:01 م بتوقيت عدن

عدن زمان : عيال الهامبو والحجة فطوم
قوارب التجذيف لنقل البحارة والركاب من البواخر كان يقوم بهذا العمل ابناء الجاليه الصوماليه حتى السبعينات من القرن الماضي .

عدن((عدن الغد))خاص:

 

قالت الحجة فطوم هات يا محمد من محازي السلا والضحك في رمضان .. قلت لها يا حجة فطوم با أحازيك اليوم من قصص تاريخ عدن .. قصص عيال الهامبو . في حارتنا حارة القاضي، الحارة خلفها حارة الشريف وفي الركن أمام بيت فنان عدن التاريخي أحمد قاسم يقع المطعم التاريخي .. مطعم صالحو الصومالي في بيوت با جنيد . يا حجة فطوم كان هذا  الرجل الذي أحب عدن وقد ذكرنا تاريخه وقصصه كثيرآ ، كان يبيع اللحم والمرق فقط وفي الليل يبيع الكراعين . في مطعم صالحو كان يوجد عيال صومال في سن العاشرة يعملوا في المطعم لخدمة الزبائن والتنظيف والمساعدة في المطبخ .. كانوا دومآ حليقوا الرؤوس خوفآ من القمل .. وكان يطلق عليهم عيال الهامبو. كلمة الهامبو هي كلمة هندية تعني بقايا الأكل ، والعم صالحو يعاملهم كأنهم أولاده، العيال أيتام من الصومال تبناهم الحاج صالحو ليعملوا عنده ويرسلوا المال لأمهاتهم الفقيرات في الصومال ، وحين يكبروا في السن يبحث لهم عن عمل آخر في عدن.

 

قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با أعمر ماي سيكند بوري منشان هذه المحزايه اللطيفة. يا حجة فطوم أحضر العم صالحو هؤلاء العيال الأيتام من الصومال ليعملوا في المطعم وكان بقلبه الرحيم يعاملهم برحمة كأنهم أولاده . السبب في أسم عيال الهامبو لأنهم كانوا يأكلوا بقية اللحم والمرق حين يترك من زبائن المطعم .. هؤلاء العيال يأكلوا طوال النهار والليل بقايا اللحم و بقايا الكراعين .. أجسادهم قوية ضخمة . في الساعة 2 ظهرآ يغلق المطعم ويذهب العم صالحو إلى النوم وعيال الهامبو كانوا يسكنوا في المطعم . عندما ينام العم صالحو يتسلل عيال الهامبو إلى الشارع للعب كرة القدم .. كانوا يحبوا لعب الكرة حبآ شديدآ ، وكنا نلعب معهم الكرة في الحارة . في أحد الأيام كانت هناك مباراة بيننا وبين عيال الهامبو – كانت المباراة على جائزة 5 شلن. دارت المباراة وتحولت إلى معركة بسبب صحة هدف .. هاجمنا عيال الهامبو بقوة أجسادهم القوية ، ضربونا وهربنا إلى زغطوط بيت الحكمية وخرجنا بهزيمة تحدث عنها الركبان من بيت الحداد إلى بيت الزيدان .. يقال لها بالعدني : "ديم محمض بليم" .. أصبت فيها بعردود دائم ومزمن في الرأس .. عردود تاريخي يستوطن رأسي منذ 60 سنة من عمري .. وعمر الزمن .. إنها ذكرياتي وأنا طفل عمري 10 سنوات .. ألعب الكرة حافي القدمين في حافة القاضي.

 

قالت الحجة فطوم ضاحكة عيال لهم قوة كبيرة يأكلوا لحم و كراعين الليل والنهار, انتم يا عيال حافة القاضي تأكلوا رز وصانونه مُطافيه .. ما عندكم قوة – عيال ركيكين هشتي. قلت لها لا تتشفي فينا واصبري نخبرك اليقينا .. وليعلم عيال الهامبو إنا بالبواكير مسلحينا .. يا حجة فطوم لا تستعجلى الأمر با تسمعي الخبر بعد قليل. عقدنا مجلس طوارئ ، أقترح طه حداد أن نذهب إلى خالتنا  الحجة خدوج بنت جوهر زوجة عمنا معتوق عبدالاه وهي من بنات جيبوتي وشرحنا لها الأمر. قالت ضاحكة شوفوا يا عيالي – عيال الصومال يخافوا من البواكير ويحترموا كل إنسان يحمل باكوره روحوا ألعبوا معهم وقبل وصولكم خليهم يشوفوا أن معكم بواكير. سلمنا على رأسها ونحن نضحك. ثاني يوم اتفقنا مع عيال الهامبو على مباراة ودية دون شرط – أي جائزة مالية. حضرنا إلى الحافة ونحن نحمل البواكير والبعض يحمل وجر – أي عصا صومالية جلفه – يعني صميل . قالت الحجة فطوم ضاحكة أصبر يا محمد با أجيب القفشه حق البوري. حازيني

 

قالت الحجة فطوم يا محمد ايش معنى كلمة "وجر" – قلت لها كلمة وجر كلمة صومالية وهي عصا بدائية تستخرج من شجرة الوجر في الصومال. دارت المباراة وتركنا البواكير والوجر عند عبدالله عراقي الذي كان يجلس فوق قعاده أمام محل الدوبي سيف في حافة الشريف . فجأة حدث خلاف عن صحة هدف ، قام إسماعيلو بردع صالح زيدان ، دارت المعركة فجأة وبقوة غريبة ، رمى لنا عبد الله عراقي بالبواكير والوجر ، وضربنا عيال الهامبو الذين أخذتهم المفاجأة بإستعمال هذا السلاح الذري القاتل .. سلاح البواكير. هرب عيال الهامبو في ذعر من هول المفاجأة الرهيبة وعادوا إلى المطعم الذي يبعد عدة أمتار من ميدان المعركة - أنها يا حجة فطوم معركة عيال الهامبو الشهيرة في حافة القاضي. يا حجة فطوم جلست شهور وشهور لا أمشي من أمام مطعم العم صالحو ، أستعمل الدرج عند بيت الفنان أحمد قاسم ، ثم أحول الطريق إلى حافة العجايز خوفآ من إنتقام عيال الهامبو. لعب عيال الهامبو دور كبير طفولتنا .. كانوا أصدقائنا ورفاق طفولتنا وإخواننا. عيال الهامبو في عدن فيها طفولتهم وملاعب صباهم  .. عدن التي أحبتهم .. عدن أم الناس كلهم بغض النظر عن الدين أو اللون أو العرق .. عدن  قمة الرحمة والسلام .. إنها الحضارة الإنسانية  في أروع صورها ..

 

قالت الحجة فطوم يا محمد ايش تشتي سحور .. قلت  لها خاور كراعين ومرق العم صالحو ..

 

محمد أحمد البيضاني    

  كاتب عدني ومؤرخ سياسي  القاهرة