آخر تحديث :الثلاثاء-18 يونيو 2024-09:23م

صفحات من تاريخ عدن


عدن زمان : اللمليت والبورته العدنية والحجة فطوم

السبت - 12 أبريل 2014 - 09:38 م بتوقيت عدن

عدن زمان : اللمليت والبورته العدنية  والحجة فطوم
حلاوة الصوري - عدن زمان

عدن((عدن الغد))خاص:

 

اللمليت العدني والحجة فطوم : 

 

 يا حجة فطوم كان ساحل صيرة يرتبط بعلاقة قوية مع أبناء عدن ، إنه ساحل عدن الساحر ، كانت البمبه كرمز تاريخي جميل في خيال أبناء عدن ، قالت الحجة فطوم من أنشاء البمبه . قلت لها بيكاجي قهوجي - وهو هندي فارسي قديم في عدن ، جاء جدهم من الهند مع القوات البريطانية التي دخلت عدن ، كان موظف ، ثم عمل في التجارة وأصبح من أهم البيوت التجارية في عدن. الماء في عدن - كانت عدن تشرب ماء يعرف بماء بري من أبار الشيخ عثمان ، وماء مقطر من البمبه يعرف بماء بمبه . كانت البمبه تصنع اللمليت وهو من المشروبات الغازية تعبا في قوارير كبيرة ، جاءت كلمة لمليت من اللغة الإنجليزية Lime Light – كان ذلك قبل دخول المشروبات الغازية الفاخرة مثل الكوكا كولا والببيسي و الكوثر ، وكندا داري ، ستيم ، وكيتي كولا ، وميرندا ، سفن أب.

 

يا حجة فطوم .. في طفولتنا وفي أحد الأيام وحين كنا في المدرسة المتوسطة في كريتر سنة 1956 ،  قمت مع أصدقائي ورفاق طفولتي ودراستي عصام محمد عبده غانم ، حبيب رماده ، وجدان علي لقمان ، هشام باشراحيل ، أحمد بن أحمد ضالعي ، وجيه عبدالمجيد لقمان ، سهيل أحمد يافعي ، عبدالله عبدالقادر جرجره البيضاني ، أنيس فقيرة ، باشا أحمد عبدي ، معروف سالم باسندوه .. قمنا بأخذ أحد القوارب - هوري الصيادين في بحر صيرة  دون علم الصيادين ، وأبحرنا في القارب إلى البحر ، وكاد القارب أن يغرق بالجميع لولا أننا أنُقذنا بمساعدة الصيادين الذين هرعوا إلى إنقادنا من الغرق . كانت كارثة عظمى حين وقفنا جميعا أمام مدير المدرسة الراحل العظيم الأستاذ عبدالرحيم لقمان الذي نظر إلينا بكل غضب وقال لنا مرفاله .. روحوا عند أمهاتكم ، وجيبوا بكره معاكم أبائكم.

 

يا حجة فطوم .. كانت كارثة تحدث عنها الركبان .. من بيت الحداد إلى بيت الزيدان ، قبل أن أصل إلى الحافه كان بعض العيال الفتنه المحارشين قد سربوا هذا الخبر إلى الحافه وعرفت أمي بالخبر. قالت الحجة فطوم عيال حافة القاضي مصايب ، ما في أي خُباره في الحافه سر بعد 10 دقائق من حدوث أي فشعه أو مصيبة مهما كانت تكون الحافة قد عرفتها . ضحكت الحجة فطوم وقالت بعدين ايش أستوى يا محمد . وصلت الحافه وأستقبلوني عيال الحافه  بزفه كبيرة تستفسر عن الحادث ، وتبرع بعض الحريم الفتنه المحارشين – حريم حافة القاضي وأخبروا أمي بأني قد غرقت في بحر صيرة وأنقذني الصيادين بأعجوبة ، وأضافوا لأمي كثير من الكذب، كأني قبطان الباخرة "تيتانك" ، وبدأ هول الأمر لأمي كأنها كارثة قومية . عند وصولي إلى البيت كانت خيزران أمي في إستقبالي رسميآ وأخدت من الخيزران "رون إسبيشل" Special Round  كان كما يقول المثل العدني : ديم محمض بليم ، ضحكت الحجة فطوم عاليآ . قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با اجيب لك شاهي وخمير ، وبا أعمر ماي سيكند بوري.

 

قالت وبعدين يا محمد .، قلت لها يا حجة فطوم  اشتي أعرف كيف وصل الخبر إلى حافة القاضي قبل وصولي الحافه –  من صاحب هذه "الطبزه الجبانه" .. عيال وحريم حافة القاضي مصايب حق قاله وفتن . ضحكت الحجة فطوم وقالت وبعدين يا محمد . قلت لها بعد "رون" فاخر من خيزران أمي يُقدم في المناسبات الخاصة ، تذكرت بعد خيزران أمي وأنا في طريقي من المدرسة إلى الحارة .. كانت هذه المسافة أطول مسافة مشيت فيها في حياتي تخيلتها كأنها دهر ، إنه أطول يوم في التاريخ ، كانت المصيبة كبيرة جدآ ، حاولت في طريق العودة  أن أصنع لأمي كذبة أو قصة أو عذر ، ولكن فشلت في ذلك .. المصيبة و المرفاله كانت كبيرة وواضحة ولا يمكن صناعة عذر أو كذب على أمي ، والكارثة الكبرى العظمى إني فقدت الجزمة حقي ، ولا أدي كيف فقدت جزمتي في تلك العملية المشؤمة ، رجعت إلى الحافة حافي القدمين . كانت هذه الفكرة الرائدة في ركوب البحر في ذلك الهوري – أي القارب ، ذلك الهوري التعيس الذي أبحرنا به دون إذن الصياد أو البوتريس – Aden Port Trust  ، كانت هذه الفكرة الجبارة في الإبحار في بحر صيرة العظيم خطط لها صديقي في الطفولة ابن عمتي الدكتور العظيم المرحوم وجدان علي محمد علي إبراهيم  لقمان.

يا حجة فطوم ..ثاني يوم أكتشفت أمي ضياع جزمتي في الصباح وكانت كارثة أخرى ، وأخدت أيضآ "رون جديد" بخيزران أمي التاريخية ، وذهبت إلى المدرسة حافي لكي أكون عبرة لمن لا يعتبر ، ورجعت إلى البيت في الظهر وأقدامي متورمة من حر الدامر – أي الإسفلت حق الطريق . في المساء أصدر أبي وأمي عفو عام عني ، وأخذني أبي إلى السوق لشراء جزمة جديدة ، أنتهزت هذه الفرصة النادرة وقلت لأبي أريد جزمه "بوت" حق الكرة من مستودع أحمد يوسف خان ، وافق أبي بعد نقاش قصير . رجعت إلى الحارة وأنا فخور ألبس بوت – أي حذاء رياضي . خرجت من مغامرة الإبحار في أعالي البحار - بحر صيرة  بحصيلة : 2 أروان – جمع رون أي Round بخيزران أمي .. "رون" واحد بخيزران المدير الأستاذ عبد الرحيم لقمان ، وبوت جديد حق كرة القدم حانكت به عيال حافة القاضي - أي أثرت الغيرة فيهم .ضحكت الحجة فطوم وقالت: عملكم هذا أنت وأصدقائك .. هذا العمل قمة في  المرفاله . أخيرآ قالت الحجة فطوم ايش تشتي من سحور يا محمد . قلت لها خاور دقه ناشفه ، وحبة ليم حامض وقرص روتي أبو صندوق شاحط ، وشاهي ملبن .

 

البورته العدنية .. والحجة فطوم:

 

قلت للحجة فطوم لقد ذهبنا إلى أقاصي الأرض من مقاهي الدنمارك الساحرة في ليالي الشتاء والثلوج تسقط في ضوء القمر ، إلى جمال الليل في سنغافورا والحي الصيني الذي يحمل غموض الليل وإلى  شواطئ سيدني في أستراليا أجمل وأنظف شواطئ في الدنيا ، ولكن تبقى عدن وليل عدن أروع مكان في العالم – عدن أمي وموطني ، هذه الجميلة التي تودع غروب الشمس وهي تغرب في ساحل أبين . في منتصف الخمسينيات جاء أهل الشام إلى عدن وبدء في فتح المطاعم الراقية التي تقدم الأكل الشامي ومنها المتبلات والمقبلات السورية واللبنانية في مطعم بالهم بيتش، جولدن شيكن، أرابيان نايتس ،برادرز، والروك هوتيل ، ولم نكن في عدن نعرف عن المقبلات الشامية. بدأت عدن الجميلة تخطو نحو عصرها الذهبي وأصبحت جوهرة الجزيرة العربية  وتدفقت الأموال والبشر إلى عدن وتشكل مجتمع حضاري إنساني فريد من نوعه يضم كل الأجناس والأعراق والأديان كانت تعيش في محبة وسلام بغض النظر عن الدين أو اللون أو العرق . قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با اعمر ماي فرست بوري.

 

قالت الحجة فطوم اصبر يا محمد با اجيب لك مطبق ولوب وبعدين حازيني هذه المحزايه . قلت يا حجة فطوم كنت معتاد مع صديقي العظيم ضابط الجوازات عادل عبدالحميد جعفر أمان نتردد على مطعم "بالم بيتش" ويملكه لبناني في منطقة خورمكسر ، وكان إبنه صديقنا وذات ليلة أحضر لنا أحدى المقبلات الشامية تسمى "بابا غنوج" ولم نكن نعرفها - أعجب صديقي عادل "عدولي - بلبل"  إعجاب شديد بهذا الطبق الرهيب . قال لي أخي  عدولي من هذا غنوج . حبكت معي النكته وقلت له يا عدولي هذا غنوج هو جد صاحب المطعم اللبناني . في الساعة 11 مساء خرجنا المطعم وصادف أن وجدنا صاحب المطعم عند الباب ، أقترب منه عدولي يصافحه وقال له بكل إحترام : " أشكرك وأشكر جدك غنوج ". نظر اللبناني مدير المطعم بدهشة إلى عدولي وقال مستغربآ : شو هادا مين قال لك إن جدي أسمه غنوج . صعق عدولي ونظر إلى بنظرة رهيبة . خرجنا من المطعم وقال لي أيش من صفاط ومرفاله هذه أحرجتني أمام المدير اللبناني ومن بعد اليوم لن يحترمنا ولن يعطينا هذا الطبق المجاني الذي أنا أحبه ونحنا نتلاكع على جده ، يا محمد هذا مطعم لبناني فاخر مُش مطعم الفول و القلابه في  حافتكم  حافة القاضي خلي الصفاط والمرفاله .. أحرجتني .

 

وقفت أمام سيارتي وأنا اضحك بشدة من غضب أخي عدولي وهو واقف أمام سيارته ثم أستدار نحوي وقال ضاحكآ يا محمد أشتي أعرف من ايش هذا بابا غنوج  ، قلت له يا بلبل هذه " بورته " أي البورته العدنية ، نظر إلي ضاحكآ وقال بورته لبناني ، قلت له هذا الطبق اللبناني هو  بادنجان مسلوقة تمزج بالحمص ويضاف زيت الزيتون . صاح بلبل ضاحكآ وقال لي بورته شامي ، قلت له نعم المسألة بادنجان . ضحكت الحجة فطوم وقالت البورته أختفت من المطبخ العدني  وسأشرح للجيل الجديد في عمل البورته العدنية  وهي بادنجان وتدهن بزيت وتشوى على النار ، ثم يأخذ لُب البدنجان ويهرس ويضاف اليه البصل مُقطع قطع صغيرة جدآ وبسباس أخضر ثم يضاف قليل من الخل .. هذه هي البورته العدنية التي أختفت من السفرة العدنية. قالت الحجة فطوم ايش تشتي سحور – قلت لها رز وصانونه مطفايه وبورته عدني ..

 

بقلم : محمد أحمد البيضاني        

كاتب عدني ومؤرخ سياسي- دمشق