آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-02:15م

السنغال، درس افريقي آخر

الأحد - 07 أبريل 2024 - الساعة 06:23 م

محمد عبدالله الموس
بقلم: محمد عبدالله الموس
- ارشيف الكاتب


تجارب دول افريقيا في تجاوز ازماتها السلطوية كثيرة - ازمة الحكم هي ام الازمات في كل زمان ومكان - وكل من تجارب دول افريقيا يصلح للتعلم منه، لكنها المرة الثانية التي تتحفنا بها افريقيا السمراء في صعود رموز فيها من زنازين السجن الى سدة الرئاسة.


كانت المرة الأولى الأشهر في التاريخ المكتوب، كما نظن، هي تجربة دولة جنوب افريقيا مع الرئيس نيلسون مانديلا الذي مكث في سجون الفصل العنصري سبعا وعشرون عاما لدرجة ان حمل وصف (السجين الذي ملأ العالم) حسب وصف رسام كاريكاتير مصري لا تسعفني الذاكرة بإسمه وغادر مانديلا زنزانته الى كرسي رئاسة الدولة.

الاعظم في رئاسة مانديلا انه الرئيس الذي قاد جنوب افريقيا في اصعب فترة في تاريخها، اي فترة التحول من مجتمع الفصل العنصري الى مجتمع المساواة في المواطنة ونجح باقتدار في كبح جماح رغبة السود في الإنتقام من البيض بعد سقوط هيمنتهم.

تجربة الرئيس الرواندي بول كيجاما شبيهة بتجربة مانديلا فقد قاد رواندا بعد صراع اثني دامي قتل فيه ما يقارب المليون رواندي خلال اربعة اشهر فقط، لكن كيجاما استطاع ان يقود مصالحة مجتمعية وصلت الى مختلف الازقة في مختلف الاحياء في مدن رواندا، وغني عن القول كيف اصبحت رواندا اليوم خلال بضعا وعشرون عاما فقط.

واتمنى عليك عزيزي القارئ ان لا تمر مرورا عابرا على تجربتي جنوب افريقيا ورواندا، والرئيسان مانديلا وكيجاما، فلك ان تتخيل حجم الظلم الذي لحق بهما وبشعبيهما، فمانديلا عاش دموية الفصل العنصري الذي تعرض له السود، ومع ذلك تناول طعام الغداء مع سجانه الذي كان يتبول على رأسه عندما كان يتوسله الماء ليشرب، وكذلك كيجاما الذي قتل من افراد قبيلته ما يزيد عن ستمائة الف قتيل بما في ذلك بقر بطون النساء الحوامل، ومع ذلك لم يأت اي منهما لينتقم بل ليضع بلده على اول طريق السلام والاستقرار والتعايش والمساواة، لهذا دخلا التاريخ من اوسع ابوابه وسيخلدا فيه الى الابد.

قدمت لنا السنغال درسا افريقيا اخر يتكرر للمرة الثانية بعد مانديلا جنوب افريقيا، فقدت شهدت السنغال انتخابات رئاسية فاز بها امين عام حزب باستيف، باسيرو ديو ماي فاي، الذي كان (يستضيفه) الرئيس السنغالي في سجن (كاب مانوال) مع رئيس الحزب عثمان سنكو وقيادات أخرى، وكان حزب باستيف محضورا.

ففي بقايا من تسلط الحاكم تم تدبير جريمة اغتصاب في حق رئيس حزب باستيف ليحكم عليه بالسجن وحرمانه من حق الترشح للرئاسة فيما تم اتهام امين عام الحزب بجنحة اهانة القضاء وتم سجنه والحكم بحظر الحزب.

وافق برلمان الحاكم على تأجيل الانتخابات الا ان المحكمة الدستورية قضت باجراء الانتخابات، فاسقط في يد الرئيس وعمل على محاولة امتصاص غضب الشارع السنغالي باصدار عفو عن قادة حزب باستيف قبل عشرة ايام من موعد الانتخابات، وخاض الامين العام الانتخابات نظرا لأن لجنة الانتخابات رفضت قبول طلب رئيس الحزب للترشح بسبب تهمة الاغتصاب التي ادخلته السجن.

خاض الامين العام الانتخابات ضمن (١٩) مرشحا للرئاسة بينهم الرئيس ماكي سال وفاز باسيرو ديو ماي فاي من الجولة الاولى ليقر كل مرشحي الانتخابات الرئاسية بفوزه.

وهكذا يقدم لنا الشعب السنغالي، بمحكمته الدستورية وبوعي نخبه وناخبيه، درسا آخر نحتاجه، فحضر حزب باستيف وتغييب مؤسساه (عثمان سونكو) رئيس الحزب و(دي ماي فاي) امين عام الحزب في سجن (كاب مانوال)، لم يغيّب حزب ستيف عن وجدان الناس فأوصلوا قادته الى سدة الرئاسة.

دروس دول افريقيا السمراء (وحاضرنا مثل ماضيها القريب) بل وحتى دروس دول محيطنا العربي القريب التي سبقتنا في النهوض، جديرة بأن نستلهمها بدلا من الشطط الذي يسيطر على بعض النخب في استلهام تجارب الديمقراطيات العريقة التي تجاوزت خبرتها في التراكم الديمقراطي مئات السنين، فأستلهام تجارب محيطنا القريب والاقرب قد يوقف عجلة تبادل الهزائم التي تعصف بواقعنا منذ ما قبل الاستقلال مرورا بتجربة مريرة مع وحدة فاشلة وصولا الى اليوم، ولعل الحال يستوجب ان نتذكر بيت من قصيدة للفقيد عوض الحامد رحمة الله تغشاه يقول (لا المهزوم يفنى ولا المنتصر ضامن بقاه) ولعل تجارب السنين القريبة الماضية اكدت صحة هذه المقولة.

فهل نفعل شيئا قبل ان يذهب الزمام من ايدينا الى غير رجعة؟، نأمل ذلك.

خواتيم مباركة وعيد سعيد بإذن الله تعالى.

عدن
٧ ابريل ٢٠٢٤م