آخر تحديث :السبت-13 أبريل 2024-04:18ص

الوصية الواجبة

الأربعاء - 03 أبريل 2024 - الساعة 02:33 ص

القاضي عبدالناصر سنيد
بقلم: القاضي عبدالناصر سنيد
- ارشيف الكاتب


الكثير من الناس يسمع عن الوصية الواجبة ويتساءل بصمت ماهي هذه الوصية الواجبة ؟ ولمن تجب مثل هذه الوصية ؟ وضعت هذا السؤال أمام عيني التمس له الإجابة ، وإن كانت مثل هذه الإجابة من الصعب ان تختزل بكلمات معدودات ، قد لا تعطي مثل هذه الكلمات تلك الإجابة التي نتوق إليها ولكن حتما ستسلط مثل هذه المفردات ولو بعضا من الضوء على الوصية الواجبة ، في محاوله جاده لإثراء النقاش حول هذه الموضوع سواء كان هذا النقاش مبني على مذاهب القانون أو كان هذا النقاش مبني على مذاهب الشريعة الإسلامية و الذي أطمح أن يحفز هذا المقال الباحثين في سرعة العثور على الإجابة.

العلماء على مر القرون خاضوا و تمرغوا في بحر هذا السؤال بين الاتفاق الظاهر والخلاف الباطن كلا يقف وراء حجته ، فهذه الوصية الواجبة قد أثارت بعض الخلافات الفقهية و إن كان فقهاء القانون قد توصلوا لحل جزئي مبني على بعض الاجتهادات الفقهية لبعض أهل العلم ، وانا لازلت إلى اليوم حائرا معتقدا بأن هذه الموضوع لم يأخذ الاهتمام الكافي الذي يستحقه في البحث ، فالوصية الواجبة كما نعلمها جميعا هي عندما يقوم المورث بوضع كتاب شرعي يوصي فيه بجزء من التركة لأبناء ابنه الذي توفى قبله ، حيث وضع الفقهاء بعض من الشروط و الضوابط والتي يجب أن تستقيم عليها الوصية الواجبة وهو أن يسبق هذا الحق وصيه شرعيه من قبل المورث لأبناء الابن الذي توفى قبلة لقوله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) الآية 11 سورة النساء و لقوله تعالى (من بعد وصية يوصين بها أو دين) سورة النساء الآية 12 ، لفظ الوصية هنا جاء عام يشير إلى وجوب وجود الوصية لغير الوارثين ، لقوله عليه الصلاة والسلام لا وصيه لوارث حيث أن أبناء الابن محجوبون باتفاق العلماء بالعموم وبتالي لا يرث أبناء الابن المتوفي قبل أبيه شيئا مالم يتم الاقعاد من قبل الجد بوصيه شرعيه.

واشترط الفقهاء حتى تكون مثل هذه الوصية واجبه أن لا يكون المورث قد تصرف سابقا بجزء من هذه التركة سواء بالهبة أو التنازل سلفا لصالح أبناء الابن المتوفي قبل أبوه وان لا يكون الحفيد وارثا بالتعصيب للمورث في حال غياب العم الذكر ، بينما أختلف معظم الفقهاء في مقدار الوصية الواجبة إلى فريقين ، الفريق الأول يقول أن لا يزيد موضوع مثل هذه الوصية على الثلة بينما الفريق الآخر يقول بأن مقدار الوصية الواجبة يجب أن يكون ما يرثه الابن الذي توفى قبل أبيه إذا كان على قيد الحياة ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف يكون عليه الحال إن لم يوصي الجد بمثل هذه الوصية؟ اتفق بعض فقهاء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون بأنه حتى في حال عدم وجود الوصية فيجب أن يعطى ابناء الابن الذي توفى قبل الاب مقدار الثلة عملا بقوله تعالى﴿كُتِبَ عَلَيكُم إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ بِالمَعروفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ذهب أهل المذاهب الامام ابا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بأن هذه الآية نسخت واستدلوا بأن هذه الآية نسخت بآيات المواريث ، (وقال به ابن عباس رضي الله عنهما في إحدى الروايتين عنه) إلى أن الآية ليست منسوخة ، بل خُصَّ منها الوصية للأقارب الوارثين ، وبقي الوجوب في حق غير الوارثين . .وروى أبو داود (2869) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال : ( "إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ ) "صحيح أبي داود" .

بينما ظهر رائي مخالف يقول بأن التركة في حال غياب الوصية هي ميراث خالص للأبناء الاحياء ولا علاقه لأبناء الابن المتوفى قبل أبيه بمثل هذه التركة وان كان أصحاب هذا الرائي قد أعطوا الورثة الحق في التنازل عن جزء من هذه التركة بمقدار لا يزيد عن الثلة إحسانا وليس كرها لأبناء الاخ المتوفى قبل والده ، وان تحديد مثل هذا الجزء هو بيد الأبناء الاحياء الوارثين دون غيرهم عملا بقوله تعالى ﴿وَإِذا حَضَرَ القِسمَةَ أُولُو القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينُ فَارزُقوهُم مِنهُ وَقولوا لَهُم قَولًا مَعروفًا﴾ [النساء: ٨].

علم المواريث علم غزير ويوصف بأنه نصف العلم وان كانت القوانين الوضعية قد تخطت الحدود في موضوع الوصية الواجبة بإعطاء الحق بالادعاء لغير أهله ، فاني ادعوا هنا الدائرة الدستورية في المحكمة العليا للجمهورية بإعادة مراجعة بعض المواد التي تعطي الحق لأبناء الابن المتوفى قبل أبيه في رفع دعوى المطالبة بالوصية الواجبة في ظل غياب الوصية.