آخر تحديث :الأربعاء-22 مايو 2024-04:55م

إلى روح أستاذي المبارك.. محمد علي سيف في هذه الأيام المباركة

الثلاثاء - 19 مارس 2024 - الساعة 07:32 م

د.عبده يحيى الدباني
بقلم: د.عبده يحيى الدباني
- ارشيف الكاتب





الحمدلله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين .
في هذا المقام نؤرخ أو نوثق لشخص عزيز عالي المقام بين أهله وقبيلته ومجتمعه؛ إنه الشيخ الأستاذ محمد علي سيف الدباني- رحمه الله تعالى وطيب ثراه- بعد مرور مايقرب من خمسة أشهر من حدث وفاته، الذي كان صادمًا لنا؛لقد مات موتًا مفاجئًا -رحمه الله- في عصر يوم 9 اكتوبر 2023م .
لقد كتبت على الكثيرين من أبناء حالمين وغيرهم أثناء حياتهم، والبعض - وهم الأكثر- بعد وفاتهم - رحمهم الله جميعًا- ومنهم أخي علي يحيى الدباني ومنهم أبي، ولهذا الرجل مكانته في نفسي منذُ الطفولة إلى أن صار شيخًا أو قل إلى أن شخنا معًا مع فارق السن بيني وبينه .
محمد علي هذا الاسم اللطيف الجميل والمنغم، فإذا كان ثلاثيًا صار محمد علي سيف، وكان أكثر تنغيمًا وإيحاء ، لاسيما لمن يعرفه .
ولد الفقيد العزيز في قرية القرب في الساكن القديم عام 1958م تقريبًا، أوبداية عام 1959م جمعتنا قرية واحدة وساكنٌ واحد وأسرة واحدة، فنحن أولاد عم ، أما قرية القرب فقد وصفتها في مقالات أخرى فهي محاطة بالجبال من كل جهاتها ماعدا الجهة الجنوبية ؛فهي عبارة عن فجٍ واسع غير متناه باتجاه البحر .
ونحن في القرية نسمي جهة الجنوب بالجهة البحرية فهكذا تسمية الجهات في القرية ؛ قبلي وبحري وشرقي وغربي .
القرب قرية من قرى حالمين تسكنها قبيلة الدباني التي أسسها هادي الدباني القادم من المشرق قبل حوالي 500 سنة، وهي قرية مباركة كثر سكانها وانتشروا في كل مكان في هذا العالم، وهي مثل أي قرية بنى أبناؤها المدرجات إلى قمم الجبال، وماتزال شاهدة على تاريخهم وحضارتهم الزراعية.
كان يعتمد أهلُ القريةِ على الزراعة في الماضي وقد كانوا أيضًا يعتمدون على الرعي أوعلى تربية المواشي من غنمٍ، وضان، وأبقار ، ،مع أنَّ هذه الظاهرة تكاد تختفي في حاضر القرية اليوم أو في زمن القريةٍ اليوم، فهناك خلاء خلف جبال القرية التي ذكرتها وهو عبارة عن مراعي تزدهرُ بالعشب والأشجار لا سيما الجهة الشمالية للقرية والجهة الغربية فهو مسرح لأغنام أهل القرية ،وهو مصدر للأعشاب التي تجلبها النساء من هُناك لأبقارهنَّ وهو مصدر للاحطاب كذلك .
محمد علي سيف عرفتُهُ صبيًا يافعًا بينما أنا كنتُ طفلًا ولكنني أتذكرُهُ تمامًا لقد كان بسنِ أخي الذي يكبُرُني بسبع سنوات ،وأتذكرُهُ حين كان يرعى الثيران فأسرته واسعة الأملاك والمراعى التي ورثتها عن الشيخ الجد صالح عبدالله سالم - رحمهم الله- وكانت الأسرة تربي الأبقار بكثرة لاسيما الثيران من أجل حرث أملاكهم الواسعة سواءً في قرية القرية،أو في قرى أخرى كانت لهم أراض فيها؛ مثل قرية الرباط المجاورة لنا ؛ وقرية بلاد المالكي التي تبعد عن القرب بعض البُعد أو في موثبة أو في شرعة وغيرها.
وقد ارتبط صباه بقيام التأميم في الجنوب في مطلع السبعينيات ما سمي بقانون الاصلاح الزراعي .
وصلت اجراءات هذا القانون إلى القرى في حالمين وغيرها فأممت أراض ! أي أخذت من مواطنين لمواطنين آخرين تلك التي كانت تحت مايسمى بالشرك أو الرهن أو غيرها، فتضررت الأسرة من هذه الاجراءات التي صاحبها التعسف تلك الاجراءات التي تسمى باجراءت الإصلاح الزراعي، لقد أُخِذَ من هذه الأسرة كثيرً من الأراضي ، التي كانت تملكها فتحملت ما تحملت مثل غيرها من الأسر في حالمين وغيرها.
كان هناك تطرف في التنفيذ لقانون الإصلاح الزراعي في قرى حالمين، فأوضاع الفلاحين هناك لاتسمح بذلك والأملاك قليلة وصحيحة وشحيحة ، ولكن هذا ما حدث .
في طفولته رحمه الله تميز باهتمام مبكر بالصلاة وبالتبكير إلى المسجد فقد عُرِفَ بذلك بين الأطفال، لقد كان صبيًا وديعًا ومُخلقًا.
التحق بمدرسة الرباط في الدفعة الثانية تقريباً عام 1969م وأكمل دراسته الابتدائية فيها ،ثم انتقل إلى الحبيلين في الصف الأول اعدادي، ومن ثم إلى مدرسة الدهالكة في جبل حالمين لدراسة الصف الثاني اعدادي ثم العودة إلى الحبيلين مرة أخرى لاكمال الصف الثالث اعدادي ، ثم التحق بدار المعلمين في حوطة لحج . وفي مطلع الثمانينات عُينَ معلمًا في مدرسة الرباط التي درس فيها ،كنتُ أنا واحدًا من تلاميذه في الصف الثامن، كان يدرسنا مادة الرياضيات وقد كان محبوبًا إلى طلابه رغم أنه كان معلمًا جديدًا ومُبتدئا.
مرت الأيام فغادر القرية أخي علي يحيى الدباني و الشيخ علي بن علي محسن العلوي الذي كان حينها مساعدًا صحيًا في الحي ، غادرا حالمين إلى الضالع ومنها إلى قعطبة الشمالية ثم إلى تعز هروبًا ثم سافرا إلى المملكة العربية السعودية وكان محمد علي ثالث هؤلاء في الصحبة والرفقة والزمالة والصداقة وقد كان يريد السفر معهما هروبا ويبدو أنه تأخر ساعةً أو ساعتين من اللحاق بهما إلى الضالع في تلك الظروف الصعبة فوصل بعد أن غادرا ، لعله كان مترددًا
يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، في مثل هذه الحالة كان التقيد بالمواعيد مهما
لقد كانوا على موعد بمن يعبر بهم الحدود من الجنوب إلى الشمال، من الضالع إلى قعطبة أو إلى غيرها من قرى الشمال الحدودية.
لعل القدر ثبطه عن السفر معهما ،وبعد ذلك علمت ادارة أمن الدولة في حبيل الريدة بهروب هذين الاثنين.. لقد سمي ذلك السفر هروبًا؛ لأن السفر إلى الشمال أو الهجرة كانت ممنوعة فليس هناك جوازات تصرف إلا في حالات نادرة، فعرفت أمن الدولة أن محمدًا كان ينوي السفر مع صاحبيه فجرى استُدعاء أببه إلى حبيل الريدة مركز حالمين وتعهد بأن ابنه لن يهاجر ولن يهرب ولن يتجاوز الحدود بطريقة غير شرعية فكان هذا قيدًا للشاب من أن يلحق بصاحبيه. ومن قبلهم ومن بعدهم هاجر كثيرون من حالمين ومن غيرها ولكن بالطريقة نفسها هروبًا إما عبر الضالع شمالًا أو عبر يافع شرقًا ومنها إلى البيضاء .
كل هذا وأنا أتتبع مايجري في القرية وعلاقتي بأخي محمد متميزة ، كان يعطف عليَّ عطف الأخ على أخيه فكنتُ أرى فيه أخًا أكبر وهو من النوع الذي لديه نزوع تربويً واضح بحكم عمله ونفسيته وطبعه ينصح هذا ويوجه ذاك ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وهكذا استمر في عمله مدرسًا في القرية خلال مرحلة الثمانينات كاملة وما بعدها بعد ان اغلق في وجهه باب الغربة.
كنتُ أنا قد أكملت الثانوية وذهبت لأداء الخدمة العسكرية وعدت بعد عامي الخدمة للدراسة في كلية التربية صبر دبلوم ؛ ثم التحقت بالبكلاريوس في كلية التربية عدن إلى عام 1991م فحين ذاك أو قبيل ذلك التحق الأستاذ محمد بالخدمة العسكرية مع أنه كان يخدم معلمًا ولكن كان الموظفون في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يخدمون خدمة عسكرية أثناء خدمتهم المدنية مع أنهم قد خدموا خدمة وطنية من قبل مدتها سنتان كانت رواتبهم قليلة خلال هذه الخدمة الوطنية،بما يعادل نصف راتب أو أقل سُميَ ذلك بالخدمة الوطنية تبدأ بعد التوظيف مباسرة، ولكنَ الكثير منهم كان يستدعى لتأدية الخدمة العسكرية. ولكن في ذلك العام جاء الإعفاء للموظفين من الخدمة في حين كان فقيدنا فوق الخدمة ،بعد أن خدم ما يقرب من سنة أو ستة أشهر ثم استفاد من قانون الإعفاء وأظن هذا قبيل الوحدة 1989م إن لم أكن مخطئًا، بعد أن زاد تربص رياح الشمال بارض الجنوب وبداية انهيار المنظومة الاشتراكية.
ما يُميز محمدًا أنه كان شديد العناية بمظهرة ،وملابسه ،وقد كان شابًا أنيقًا فقد تأثر بالحياة المدنية أثناء دراسته في لحج وارتباطه بالمدينة بين الحين والحين فضلًا عن جذوة الشباب المشتعلة في روحهِ ،وقد اختار شريكة حياته بنفسه ولكن حالت الظروف بينه وبين الزواج منها مؤقتا ، ولكنه صمدَ ،وصبرَ ، وبقي وفيًا مع من أختار حتى تزوج منها وقد اقترب عمره من الثلاثين تقريبًا فصار مثلًا في الوفاء والتصميم والصبر وقد سبقته زوجته إلى بارئها بعام واحد فقط ليلحق بها في العام التالي رحمهما الله تعالى معا .
كان زواجه في عام 1984م وفيما بعد رُزِقَ بولدهِ صالح وببنتهِ فاطمة رعاهما الله تعالى.
وبعد عام 1990م وبعد أن تحققت الوحدة وحدة الجنوب مع الشمال بتلك الصورة الارتجالية المستهترة بمصير الشعوب عاد النظام القبَلي إلى الجنوب وجرى القضاء على تجربة لجان الدفاع الشعبي التي كانت في القرى وفي المدن تُعالج قضايا الناس فعادت المشيخات القبلية فأصبح الأستاذ محمد علي شيخًا لقبيلة الدباني إلى جانب شيخ آخر وهو في سن والده وهو الشيخ طاهر هادي بن ثابت -رحمهُ الله- وكان كل منهما يمارس هذه المشيخة فلم تحدث هناك مشاكل ، كان كل منهما يقدر الآخر . أما تلك الأرآضي التي صُودِرت من الأسرة في بداية السبعينات فقد عادت إليها في مطلع التسعينات ولكن ظلت مع أصحابها الذين صودِرت لهم بحيث تعود ملكيتها لهذه الأسرة وعلى أولئك أن يقسموا من المحصول للأسرة فلم تستفد الأسرة كثيرًا من عودة هذه الأرض بل زادت المشاكل مع هذا وذاك من المنتفعين بالارض لولا أن الشيخ محمد كان عاقلًا ورصينًا و زاهدًا وكان يتجنب الإشكالات والمشارعات وكان أبوه كذلك ، وإلا فإن تلك المشاكل كانت ممكن أن تضر بأي واحد يتعرض لها وتدخله في متاهة في المحاكم وغيرها؛ لكن الشيخ محمد تعامل بعقل وهدوء ورصانة مع كل القضايا التي واجهت الأسرة وممتلكاتها المختلفة وهكذا كان منهجة وأسلوبة في ادارة قبيلته ؛ يعالج القضايا بهدوء وإذا لم تقتنع الأطراف يترك لهم حالهم يذهبون إلى أي مكان بعد ان يقول رأيه بحكمة ونصيحته ويمضي .
كان ينتمي إلى حزب المؤتر الشعبي العام وظل فيه حتى وفاته لكن من غير تشدد ومن غير مزايدة ، وهو بصراحة لم يستفد من هذا الانتماء لأن قيادات هذا الحزب لم تكن راضية عنه كما يبدو مع أنه كان وفيًا ومخلصًا لكن الوضع لم يكن يحتاج مثل ذلك ، ومع هذا فهو لم يدخل في مشاكل مع أهله ولم يضر ناسه كان مقدرا المرحلة التي يمر فيها الجنوب ولم يقف مع من وقف ضد هذه القضية العادلة قضية شعب الجنوب كان يحترم جميع الناس على مختلف مشاربهم ويقدر وضعهم ويعبر عن وجهة نظره من غير تعصب رحمه الله تعالى.
لم يكن فقيدنا رحمه الله شيخ قبيلة فحسب ولم يكن معلمًا فقط ولكنه أيضًا كان إمام مسجد .. إمام مسجد القرب الرئيسي منذ منتصف التسعينات وربما قبل ذلك لقد تم إعادة احياء المسجد في ذلك الزمن وكانت أسرته هي القائمة على هذا المسجد فهناك أرض وقف لمصلحة هذا المسجد فكان خطيب هذا المسجد ، هذا الأمر امتد من مطلع التسعينات إلى آخر جمعة في حياته فهذه المهمة جعلته يقرأ ويتفقه ويتزود من المعارف الدينة المختلفة ما استطاع إلى ذلك سبيلا واستمر محافظًا على المسجد وعلى هذه الأمانة حتى وفاته.
أما خلال السبعينات والثمانينات فقد ضعف الوازع الديني بوجه عام في القرى بحكم النظام الاشتراكي في الجنوب وهذه من ضمن السلبيات التي حسبت على النظام في الجنوب، وهناك مساجد أغلقت والشباب، لا يصلون والطلاب كذلك لكن كان الوازع الديني والأخلاقي موجود في العمق في اعماق الناس لأن مجتمعنا مجتمع مسلم لكن، بسبب ضعف التعليم في هذا الجانب وعدم وجود الدعاة وضعف الشيوخ الكبار الذين كانوا يصلون ويفهمون ويتدينون لكن لم يقدروا على التاثير في الاجيال الطالعة ويعلموها، لأن كل ذلك بحاجة إلى دولة توجه وتشرف وترعى وتبني المساجد وتهتم بتعليم الدين من غير تفريط ولا افراط .
غفر الله لنا جميعا مافرطنا والحمد لله الذي ردنا إليه ردا جميلا .
ورحم تعالى الأستاذ محمدا وأسكنه فسيح الجنان .

سلاما عليك أستاذي الاغر
وجمعنا واياك في مستقر رحمته..