آخر تحديث :الجمعة-24 مايو 2024-01:52م

محطات في كتابة الذات (3)

الأحد - 25 فبراير 2024 - الساعة 05:16 م

د.عبده يحيى الدباني
بقلم: د.عبده يحيى الدباني
- ارشيف الكاتب




لا أدري بالضبط كيف كان شعور الزملاء بتلك العيشة، هي لم تكن سيئة، لكن المشكلة كانت في نفوسنا نحن الذين غادرنا القرى للتو في أول خروج لنا إلى الحياة الجماعية في البيئة الواسعة والاختلاط، كان الكثيرون لم يغادروا سن الطفولة و لم يرتووا من حنان الأمهات الضروري بعد ، كان هنالك هم و كدر يقتحمان ساعات الصباح الأولى و يخف كل ذلك في ساعات الدراسة إلى حدٍّ ما، وبعد معركة الغداء و الطوابير كنا ننطلق في ذلك الحبيل الواسع حاملين دفاترنا، كل مجموعةٍ تذهب إلى مكان ؛ يذاكرون أو يلعبون أو يتسوقون، لكنهم جميعًا لا يذهبون إلى تناول القات، لا في السوق و لا داخل القسم الداخلي و لا في غيرهما، مع إن القات حينذاك كان مسموحًا به في مدينة الحبيلين، فآخر حد للسماح بتناوله هو المِلاح...، نعم الملاح على طريق عدن من جهة ردفان جنوبًا، وكان أحرى بنا بعد الدوام الدراسي الطويل المرهق و معركة الغداء أن ننام، و لكن النوم في الظهيرة تربية وثقافة لم نعتد عليهما، و لا أحد سيتركك تنام حتى إذا أردت، فنحن حين ننام مبكرًا في المساء يأتيك أحد الزملاء و يصحيك و يقول لك:
-شوف الجماعة كانوا يريدون يصحونك و لكن أنا رفضت
و هات لك من هذه الشقاوات، و لكنها لم تبلغ ما بلغت من شقاوات اليوم .
في المساء يخفف الهم حركة الطلاب و مرحهم، و مشاهدة التلفزيون وزيارة زملائنا الكبار إلى غزفهم، فكانوا يمثلون لنا مصدرًا للتوجيه والأبوة و الحرص و التدخل حين تستوجب الحاجة لذلك، أقصد زملاءنا الكبار من أبناء مناطقنا.
كان كل أبناء قرية أو حي يحجزون غرفةً في القسم الداخلي، و يستقلون بسكنها بصرف النظر عن اختلاف المستوى الدراسي لكل منهم فالرابط القوي هنا هو القرية أو الحي أو المنطقة ولا نقول القبيلة طبعًا ؛
و بسبب ذلك التقسيم للسكن حسب
السكن في المناطق المختلفة ؛كانت تحدث مشاكل و عصبيات بين الطلاب، و لعل ذلك أزعج إدارة الثانوية؛ فقرر الأستاذ القدير/ صالح محمد عفيف مدير الثانوية -عافاه الله- أن يتم تقسيم غرف السكن في القسم الداخلي حسب الشعب الدراسية، فزميلك في المستوى والشعبة سيكون زميلك في السكن
والغرفة، و هكذا صفًا صفًا و شعبةً شعبة، فكان ذلك انقلابا جديدا في حياة الطلبة زاد من شعورهم بالاغتراب والوحشة مع أنه تصرف تربوي حكيم من المدير الحازم عافاه الله ؛ بيد أن الانتماء المناطقي كان قويًا متجذرًا في ذلك السن لدى الطلاب، فصاح النفير في ذلك اليوم معلنًا لكل طالبٍ أن يحمل فراشه
و أشياءه و يخرج بها إلى الميدان ويقف بها طابورًا من أجل تنظيم السكن من جديدا حسب الصفوف والشعب الدراسية كان يومًا عاصفًا، شعرنا فيه بالخوفِ و القلق و كأننا قادمون على معركة لم نتهيأ ، لها
حملنا فرشاننا منفوخة مشدودة على ظهورنا فمرةً نحملها إلى الأمام و مرةً هي تحملنا إلى الخلف حسب اتجاه الريح ، كانت تلك أول قيامة نشهدها من قيامات الحياة الدنيا التي شهدناها خلال سنوات العمر التالية ، ظنناها قيامات و هي مواقف عابرة سرعان ما تبددت و تحولت إلى ذكريات نعتد بأكثرها زلزلة، فأين هذه القيامات الدنيوية من القيامة الكبرى يوم الفزع الأكبر في يومً كانَ شره مستطيرا؟

غابت شمس ذلك اليوم و كنا قد أخذنا أماكننا الجديدة وفق الترتيب الجديد، بعض الطلاب عاد إلى البراقة نفسه ولكن تغيَّرت الغرفة و تغيَّر الساكنون، و بعضهم كان في البراق الأول فأمسى في البراق الثاني و هكذا، كانت هناك سبعة براقات في القسم الداخلي
ذهبنا إلى الغرف التي كنا فيها من قبل فوجدنا وجوهًا جديدة، آهٍ ما أغرب أن تكون غريبٍا في غرفة تركتها قبل ساعات فقط!
لم نعتد بعد على التغيير السريع
مرَّت أيام قليلة و بدأ التصدع الذي حصل للتوزيع المناطقي يلتئم من جديد و بدأ التبادل في الغرف بين الطلاب " تعال هنا بدلي عند أصحابك و أنا أروح هناك بدلك عند أصحابي"
و لم ينتهِ الفصل إلا و قد تصدع التوزيع الذي بُنيَ على أساس الفصول أو الشعب الدراسية .
كانت الحبيلين حبيلًا واحدًا و لكنه أجرد، جزء من الحبيل أطلقوا عليه مطارًا و لكن بلا طائرات، مثل الآن طائرات من غير طيَّار، المهم أننا عرفنا المطار قبل أن نعرف الطائرات،
لا تجد في تلك المساحات الواسعة من يبني بيتًا أو دكانًا أو يحجز أرضًا، كنا نجدهم يشيدون المستشفى الحكومي وهو الوحيد الموجود الآن في الحبيلين، و في جهة الشرق يوجد معسكر للميليشيا لايزال معسكرًا حتى الآن، وخلال احتلال الشمال للجنوب كان يسمى القطاع الشرقي ، و أما السوق فهو في أقصى الجنوب.. عدد من الدكاكين و المطاعم و مقر للشرطة و متحف في أقصى الشرق يرتفع فوقه مجسم للشهيد لبوزة رحمه الله تعالى، و هنالك مقرات حكومية عديدة و محكمة و سوق قات وغيرها و هناك جهة الشرق دار ضيافة و منتزه تباع فيه المشروبات التي يسمونها المشروبات الروحية، و دار قديم فيه مكاتب و مقرات منظمات المجتمع المدني مثل لجان الدفاع الشعبي ، و في هذه المدينة الصغيرة مسجد قديم يقع في أقصى جنوبها، فليس خلفه إلا الطريق الى منطقة الثُمَير أكبر قرى ردفان تقريبًا، كنا نذهب إلى المسجد لا لنصلِي و لكن لنغتسل أو لنشرب .
بصراحة لم نكن نصلِي في تلك المرحلة، ربما كان في عدد قليل من الطلاب كان يصلي، لكنني لا أتذكر أنني رأيت احدهم يصلي في القسم الداخلي، لا يوجد مسجد ولا مصلى على أيامنا في القسم الداخلي، ولا في مبنى الثانوية حيث الصفوف الدراسية و الإدارة و مساكن المدرسين، لم يكن هناك أحد يحضنا
على الصلاة و الدين و لم يكن هناك أحد يدعونا من أجل ذلك أو يرشدنا، كنا في غفلة عن كل ذلك، و كان المصلون غرباء و لكن لم نجد منهم من كان يدعو للصلاة و غيرها من العبادات و إلى قيم الإسلام الحنيف، ومع هذه الغفلة البريئة و غير البريئة فإن النفوس كانت عامرة بالإيمان بالله تعالى على الأقل ما أشعر به أنا، فجميع دفاتري منذ الصف الثامن كانت تشهد بإن عبارة "الله ولي التوفيق" موجودة في أول صفحة فيها أو على غلافها، وكان ذلك أيضا في التعليم الجامعي و وصل معي إلى مرحلة الدكتوراة و ما يزال، أجل!
كان هناك مسجد في أقصى جنوب المدينة يرتاده بعض الشيوخ و الكهول من أصحاب المحلات و غيرهم، و كان هناك منتهزه في شرق المدينة يرتاده الكهول و الشباب الكبار و أكثرهم مواطنون، و كنا نحن لا نرتاد لا هذا
و لا ذاك وقد كانت الأخلاق والقيم والمعاملات بحمد الله تعالى متعافية وايجابية.
و في جنوب غرب المدينة كان يقيم عدد غير قليل من المهمشين الذين يسمونهم "الأخدام".
سوق المدينة يتحرك صباحًا حتى الظهر و بعد ذلك يتحول إلى خلاء موحش إلا من أصحاب الدكاكين والمطاعم القليلة ، و عدد من المجانين الذين كانوا يكثرون و يتكاثرون في هذه المدينة الكئيبة، و من يدرِي لعل بعضا منهم كانوا جنودًا أو ضباطًا يتبعون الأمن الوطني في نظام صتعاء أو غيره .
كنا نهش و نبش حين نجد معروفًا في السوق، جاء من القرية أو من القرى المجاورة.. قرى جبل حالمين، جاء يبيع القات أو جنديًا عائدًا إلى القرية يبحث عن سيارة .
هذه الحبيلين بالنسبة لنا كانت دار هجرة أو لنقول دار غربة مع أن الجبال التي تحتضن قُرانا شاخصة أمامنا بوضوح و لكن ذلك لا يكفِي، كان يهزنا الشوق مع كل سيارة عائدة إلى القرية و لولا الخوف لركبناها عائدين إلى أحضان القرية و الأهل و تركنا الدراسة و همومها و ودعنا الروتي الذي كان ظهره يؤكل و بطنه
و أحشائه ترمى، إذ كان يطبخ وفق طريقة قديمة كما يبدو فلا ينضج بما فيه الكفاية و كان يصل إلينا أسود ومع هذا كنا ننتظر قدومه صباحًا إذ يأتي على ظهر دابة وهي أنثى الحمار يسوقها صاحبها سوقًا حثيثًا و كنا حين نراها قادمة نركض إلى طابور القرع أو العشاء .
في الحبيلين حينذاك لا تجد مشربًا كما في عدن أو في الحبيلين الآن أو في أي مدينة أخرى، قد يكون ذلك بسبب الكهرباء، كذلك لا تجد إستيديو تصوير فمن أراد أن يتصور صورة رسمية أو غيرها فليذهب إلى الحوطة لحج أو إلى عدن كذلك نأتي الى الإستيريو لبيع أشرطة الأغاني هذه الأستيريوهات اختفت من مدننا في هذه المرحلة في عدن و لحج وكل المدن التي كانت تزخر بها و تصدح فهل هذا بسبب الإرهاب و التطرف؟ يبدو ذلك !! فضلا عن أسباب أخرى منها تطور التقنيات.
كذلك لا تجد مكتبةً لا للصحف و لا للكتب في مدينة الحبيلين في أيامنا في أيام الثمانينات !

ما أعذب صاحبي حين يسترجع سنين دراسته في مدرسة النجمة الحمراء في صبر لحج كان أحيانًا يذكر تفاصيل التفاصيل:
-شوف يا عزيزي، أنا مللت من الدراسة في الحبيلين جو تلك المدينة لا يناسبني و لا هي قريبة من القرية و لا هي بعيدة، هذه المدينة صغيرة ليس فيها منازل و لا سكان و كل الذين فيها وافدون ما بين أصحاب محلات وطلاب و موظفون و غيرهم
و أما اليوم فماشاء الله فقد صارت مدينة كبيرة و تلك المساحات الواسعة قد تحولت الى عمارات شاهقة ومحلات و شوارع رغم سوء التخطيط على كل حال.
و كان صاحبي يقص عليَّ قائلًا:
-كنت أريد أنا و بعض الزملاء أن ننتقل إلى ثانوية البروليتاريا في صبر، فقد درس أخواننا الكبار فيها و كانت أحاديثهم عنها تشدنا إلبها ، كما شدتنا الحبيلين حين كنا في القرية، و صارت لحج تشدنا حين صرنا في الحبيلين و هكذا "كل محجوب مرغوب" و ليس المرء دائمًا عدو ما يجهل ،
كما أننا لم نكن نجهل لحج كل الجهل فقد سمعنا عنها الكثير الكثير، و قد زرناها حين كنا ندرس في الحبيلين وحين نزلنا من القرية في نهاية الصف الثامن إلى عدن من أجل أن نتصور صورًا رسمية شمسية من أجل أرقام الجلوس للامتحان الوزاري الذي كان يرعبنا كثيرًا كأنه وحش أسطوري.
و مرَّت الأيام يا صاحبي فوجدنا أنفسنا داخل مدرسة النجمة الحمراء في صبر التي كانت تتبع إدارة التربية و التعليم في لحج تربويًا، و تتبع وزارة الدفاع تمويلًا و عسكرةً مثلها مثل مدرسة الزحف الأحمر في دار سعد ، و مدرسة قُميح في كرش وغيرهما من مدارس البدو الرُحل، لم نستطع حين ذلك الالتحاق بمدرسة البروليتاريا كما أردنا ، و رحم الله مديرها الأستاذ الفذ سعيد محمد علي .
هذه المدارس في الثمانينيات أقصد مدارس البدو الرحل، لم تعد حكرًا على أبناء البدو الرحل، فظاهرة البدو الرحل في الجنوب نفسها قد تلاشت في تلك المدة و قد استقر الكثير منهم في مناطق مختلفة و صارت هذه المدارس تستقبل أبناء الفقراء و تفتح أبوابها للطلاب القادمين من الشمال الذين تقاسم معهم طلاب الجنوب اللقمة و الرقعة و الطاولة و قنينة الماء و قنينة الحبر وغيرها،
و لعلَّ بعض هؤلاء بعد ما اشتدَّ عودهم جاءَ ضمن الغزو في عام 1994م لاحتلال الجنوب، لقد كان من نتيجة ذلك الغزو أن تحولت تلك المدرسة العريقة إلى معهد من معاهد الأخوان المسلمين في الجنوب اسمه معهد اليرموك.
النجمة الحمراء و ما أدراك ما النجمة الحمراء؟!
في صبر لم تعد جبال القرية تلوح أمامنا في الأفق من جهة الشمال الشرقي كما كانت كذلك حين كنا في الحبيلين، لم تعد حقفاء الشامخة تبعت لأطفالها عطفًا و حنانًا، لقد بَعُدت الشقة بينها و بينهم زادت حالة الاغتراب و الفقد و قلَّ عدد الزملاء المعروفين من أبناء المنطقة بل لم يكادوا يبينوا .
لم تكن صبر في تلك الأيام الخوالي كما هي عليه اليوم مدينة مترامية الأطراف جنوبًا إلى دار سعد و شمالًا إلى الحوطة، فضلًا عن توسعها شرقًا و غربًا، لم تكن حبيلًا و لا حبيلين بل كان حُبولا كثيرة على امتداد النظر إلا من منشآت حكومية أو مدارس أو معسكرات أو بعض القرى الصغيرة التي تتبع قبيلة العزيبة أو مزارع في جهة الشرق أو في جهة الغرب، تمشي قادما من الحوطة في اتجاه عدن مخلفًا قرية المحلة على يمينك و قرية جلاجل على يسارك و تدخل صبر، على يسارك غير بعيد يجثم سجن صبر المخيف يظهر لك سوره الطيني الشاهق بلون الصحراء نفسها
و على يمينك قريبًا من الخط صندقة تبيعُ البيرة، تمضي جنوبًا و بعد مسافة قصيرة تقابلك مدرسة ابتدائية لم أعد أتذكر اسمها، و على يسارك ورشة تتبع وزارة الزراعة لإصلاح الآلات الزراعية، بعد ذلك بقليل ترى أمامك مدرسة النجمة الحمراء على يمين الخط بعد مفرق الوهط، واسعة المساحة ممتدَّة ببراقاتها البراقة باللون الأحمر، أماعلى يسارك بعد الورشة فتتوالى المنشآت الحكومية، محلج القطن الذي يربض داخله منزل محافظ لحج وبعد المحلج يأتي معسكر الميليشيا الشعبية و دائرة التجنيد في المحافظة ثم المدرسة الحزبية ثم كلية التربية صبر بعيدًا عن الخط بعض الشيء .
هذه هي صبر و لا شيء غير ذلك في ذلك الزمان مع قرى قليلة متناثرة على جانبي الخط العام، أما إذا توغلنا جنوبًا نحو مقهاية صالح فسترى المعهد التقني على يمينك و مدرسة البروليتاريا على يسارك بعد تجاوزك لبئر ناصر والتانكي الكبير المعلق في الهواء بكل ثقة وشموخ ، و في الطريق المزدوج سترى أسطولًا من الباصات الزرقاء التي تتبع المؤسسة العامة للنقل البري في لحج تجوب الطريق ذهابًا و إيابًا بين الحوطة و الشيخ عثمان .
لم أستطع التكيُّف داخل مدرسة النجمة الحمراء، طلابها من مختلف الأعمار من الصف الأول ابتدائي حتى الصف الرابع الثانوي، زيهم المدرسي مختلف عن الزي المدرسي الاعتيادي في التعليم الأساسي و الثانوي، فالصغار يلبسون بدلات جافية ملونة و الكبار يرتدون زيًا عسكريًا و كنت أكره جدًا أن أرتدي ذلك الزي؛ فأنا طالب ثانوية و لست جنديًا في القوات المسلحة و لكن هذا هو نظام
المدرسة فهي مدرسة تربوية عسكرية في آنٍ واحد، بل أن هناك مديرًا عسكريًا لها كما لها مديرً تربويً .
كان الطلاب يتعشون خبزًا مثل معسكرات الجيش، و كانوا يسلمونهم ملابس كاملة و دفاتر و أقلام ومساطر و فرشان و كنابل حتى الأطفال الصغار كانوا يسكنون في القسم الداخلي لأنهم قدموا من مناطق بعيدة، و كانت الإدارة العسكرية في المدرسة تنظم دوريات من الطلاب الشباب ليحرسوا هؤلاء الصبية من أي اعتداء و لكي يناموا في أمان الله، لم أحب هذه الحياة العسكرية؛ لأني لم أعتد عليها منذ البداية مثل سائر الزملاء في هذه المدرسة ، كنت أدرس حصصي ثم أغادر المدرسة إلى أي مكان حتى أعود في صباح اليوم الثاني، تعبتُ من حياة التشرد.. السكن داخل النجمة الحمراء لا يطاق فمكانه كئيب والرمال تزحف إلى داخل البراقات والأعداد كبيرة و الطوابير كثيرة، هي مدرسة ومعسكر لكنها كانت أقرب إلى الملجأ في بعضِ مظاهرها و كنتُ وسط الزملاء الشماليين غريبًا مع أن هناك طلابا جنوبيين فيها، بعض هؤلاء الطلاب القادمين الشمال كان جلفًا فهم ينتمون الى مختلف المناطق الشمالية، لم نكن نسمع أي حديث عن أن هؤلاء جنوبيون و أن هؤلاء شماليون، لقد كانوا أعضاء في الحزب وفي اشيد و في الطلائع على حسب أعمارهم ، فهؤلاء رفاق ينتمون إلى شمال الوطن يتبعون الجبهة الوطنية في الشمال .. هكذا يطلق عليهم، فمن جاء من هناك صغيرًا يدخل مدرسة النجمة الحمراء أو الزحف الأحمر أو مدرسة قُميح في كرش، و من جاء كبيرًا يدخله مدرسة باذيب للاشتراكية العلمية سواءً في فرع صبر أو في المعهد الرئيس في خور مكسر أو في غيرهما .
كان هناك زميل من بينهم يكبرني قليلًا نشط مع المقاومة في الشمال سنوات ثم بعث للدراسة الحزبية في فرع معهد باذيب في صبر لمدة عام لكن مستواه لم يؤهله إلى ذلك فجيء به إلى النجمة الحمراء ليكمل دراسته الابتداىية أولًا فقُبِلَ في الصف الرابع الابتدائي و هو في سن المعلمين والمعلمات، صرنا صديقين جمع البؤس بيننا، كان صاحب نخوة و خُلق فهو من قرية من قرى ذمار لم يكن يعرف من الاشتراكية شيئًا و لكنه كان يكره الرئيس علي عبدالله صالح و يقطع صوره حين يجدها و لم يحب النشطاء في الحزب و أشيد من زملائه الشماليين و لم يرتح لهم أصلًا و كان مرتبطًا بنا أكثر من ارتباطه بهم، كان يشعر بالضياع و لكنه جَلِد خاض تجارب أكثر منا و فجأة بدأ يعامل للسفر و جاءته رسائل و فلوس ثم اختفى فجأة، قيل لنا لقد سافر إلى
إحدى الدول العربية بجواز من عدن
في حين كانت الهجرة ممنوعة على شباب الجنوب وكان من يعزم على الهجرة يوطن نفسه على الهروب إلى الشمال ومن هناك يستخرج جوازا ويهاجر .

كنتُ و زميلَي صالح و أحمد لم نتكيَّف مع ذلك الوسط الجديد الذي الذي انتقلنا إليه في النجمة الحمراء و لم نكن مضطرين لأن نتكيَّف و إلا كان بإمكاننا ذلك فالإنسان جُبِلَ على التكيُّف مع أي تغيير جديد في حياته و إن عانى و إن تعب، و إلا كيف يعيش البعض سنوات طويلة خلف قضبان السجن؟ فهو قد تكيَّف مع ذلك الواقع بوجه أو بآخر و إن كان غير راضٍ بحياته تلك في ظل السجن وتقييد حريته، لكن أيامه الأولى في السجن ليست كغيرها في سائر الأيام،
قاطعته قائلًا:
-كنتم مدلعين و كانت الفلوس تجري في أيديكم لذلك لم تتكيَّفوا مع زملائكم المساكين أولاد البدو الرُحَل !
يضحك صاحبي و يستمر في حديث الذكريات:
-لم نكن مدلعين كما قلت و لكن قريبي عهد بحياة مثل هذه و أما الفلوس فلم نكن معدمين كنا أحسن من غيرنا على كل حال و قد كانت الأشياء رخيصة آنذاك و المواصلات أرخص و نمط حياتنا و متطلباتنا بسيطة و متواضعة فلا جوالات ولا شحن فوري ولا شبكة تواصل اجتماعي و لا قات سمين ولا مطول و لا دخول مطاعم فاخرة ولا سكن في فنادق ولا في منازل ايجار ولا ملابس غالية و لا شيء من هذا القبيل.

لم أرد عليه تركته يستطرد في الحديث. فواصل:
و في عصر أحد الأيام كان صاحباي قد ذهبا إلى قريبٍ لهما في كلية
التربية صبر في القسم الداخلي فأحسستُ بالوحشة فقررتُ أن أزور صاحبي في سجن صبر، لم أر السجن من قبل و كنت استهوله و لم يكن صاحبي مسجونًا هنالك و لكنه كان شرطيًا من حراسة السجن كان من قرية قريبة من قريتنا، و كان الأصحاب و المعاريف حينذاك مثل النجوم التي يُهتدى بها كانوا قليلين ولكن فاعلين و إيجابيين ، كنا نلتقي كل خميس في الشيخ عثمان عند دكان عبدالرحمن اليافعي - رحمه الله تعالى- قريبًا من مسجد النور طلابًا وجنودًا و موظفين عاديين و مغتربين مسافرين فضلًا عن من يأتي من البلاد ليبيع القات ، أو لأي سببٍ آخر، و في كريتر كان أبناء حالمين يلتقون في منزل الوالد علي مثنى عبدالله الشعيبي - رحمه الله تعالى- أو في دكان الحشري في شارع المتحف، كانت هناك ألفة و رحمة بين الناس كل يسأل عن الآخر و عن البلاد و أهل البلاد و عن المطر و عن كل صغيرة وكبيرة، و أما اليوم فقد كثر المعاريف و لكنهم لا يلتقون و لا يتواصلون و لا يسألون عن بعضهم مع توفر وسائل الاتصال و التواصل بشكل واسع سهل. قاطعته :
-مالك هكذا تستطرد كأنك تأثرت بالجاحظ في أسلوبه؟ قل لي ما ذا فعلت في السجن؟
-نعم نعم! رحت لصاحبي عبدالله ،كنت أعرفه منذ كان جنديًا في شرطة الحبيلين كان غالبًا في الباب حارسًا نسلم عليه من بعيد فيرد علينا و لكن ممنوع أن يجلس الحارس أو يضع سلاحه أو يظل يتكلم مع هذا أو ذاك حتى الأكل يُمنع من تناوله أثناء أداء واجبه.
-طيب و بعدين؟
-مالك مشتاق لحياة السجن؟ صبرًا سأخبرك عن سجن صبر، اقتربتُ يا صاحبي من السجن و استوقفني الحراس من بعيد و قلت لهم أريد عبدالله، هذا عند أول باب و عند الباب الثاني وجدتُ صاحبي عبدالله ماسكا زامه و بوضع أكثر صحوة و يقظة من ما كنت أجده عليه في باب شرطة الحبيلين ، رحب بي و جلستُ قريبًا منه عند أصحابه، و عندما نزل من الزام تعشينا معًا و شربنا الشاي، رأيت أفراد شرطة السجن انهم مرتاحون أفضل منا نحن الطلاب في القسم الداخلي، أكلهم جيد و لديهم غرف
و أسرة و ليست طوابيرهم طويلة مثلنا، المهم عاد صاحبي للزام ساعتين أخرىين و كان الليل قد هبط على صبر أما السجن فقد دخل في أكثر من ليل، لم أرَ السجناء و لم أسمع لهم صوتًا كانت عنابرهم في الداخل دونها أبوابٌ أخرى، نمت في باحة السجن على سرير أحد الجنود الذي كان في إجازة نمت بعمق في هدوء السجن، لا شيء يُسمع غير خطوات الحارس التي لم تتوقف.
و في صباح اليوم الثاني كنت بين زملائي في الطابور المدرسي الذي كان يشرف عليه المدير العسكري للمدرسة و سلامتك يا صديقي .
-والله يا صاحبي إنني أتذكر بنوع من الإعجاب و العجب ما كانت تقدمه حكومة الثورة لهؤلاء الطلاب الفقراء، فبعد أن وزعت بينهم الأقلام الحبر
والجاف طلبوا قناني مداد حتى يملؤوا أقلامهم منها، فلم يقولوا لهم تصرفوا أو اشتروا أنتم المداد بل كانوا يضعون لهم صباحًا قنينة مداد في كل فصل، فحين يدخل الطالب الصف يملأ قلمه و في آخر الدوام يملؤه مرة أخرى و هكذا كل يوم ، تلاحظ هذه العناية، و في آخر يوم من أيام الدراسة نهاية العام كانت تأتي بوابير كبيرة تحمل الطلاب إلى مناطقهم المختلفة و فوق كل بابور يصعد أحد الطباخين و إلى جانبه غداء الطلاب وحين يَصِلُون إلى أقرب نقطة من المنطقة التي ينتمي إليها الطلاب تتوقف البوابير و يتغدا الطلاب ثم ينطلقون إلى أهاليهم، و في آخر يوم من أيام العطلة الصيفية تكون البوابير نفسها في انتظار الطلاب قريبًا من مناطقهم و يكون الغداء جاهزًا فيها وبعد أن يتغدوا ينطلقون بهم إلى مدارسهم في عدن و لحج، فنظام مثل هذا يجب أن يحترم مهما كانت له أخطاء، فأين نحن من ذلك الزمان ومن ذلك النظام؟؟
نعم يا صديقي هذا فضلًا عن الخدمات الأخرى في جانب الصحة والطب و الرياضة و الترفيه، كانت المدرسة نفسها تغسل لهم الملابس وتخيطها و مع هذا أنتَ و صاحباك لم تتكيَّفا في ذلك الجو من العناية الحكومية ألم أقل لكم أنكم كنتم مدلعين، دلع أسر و ليس دلع حكومة.
لكم حدثني صاحبي عن تلك الذكريات مع أنني كنت أعرفها كما يعرفها الفرق بيني و بينه في ذلك أنني أفلسف تلك الذكريات و أضعها في الإطار العام للحياة في تلك الأيام، و هو أحيانًا يشخصنها و أحيانًا يفلسفها .

ذكر لي صاحبي إنه درس أربع سنوات في صبر : سنتين في الثانوية وعامين في كلية التربية صبر ولكن خلال تلك السنوات لم يصلِ لله ركعةً واحدة!، كان هناك مسجد صغير في صبر في إحدى القرى و لكن لم يرتفع منه الأذان يومًا و لم يسمعه الطلاب لا في النجمة الحمراء و لا في كلية التربية صبر و لا في المدرسة الحزبية، يعرفه فقط بعض الطلاب القادمين من حضرموت للدراسة في كلية التربية صبر وحين انفجرت أحداث 13 يناير 1986م انحشروا جميعًا داخله حتى انتهت أيام الحرب.
وبدأ صاحبي يعتاد على القراءة والاطلاع في تلك الأيام ؛ لأنه وجد ما يقرأه خارج الكتب المدرسية و ما يدونه في دفاتره في المدرسة.. وجد مكتبات في لحج و في عدن وجد صحفًا و مجلات و كتبًا، كان مغرمًا بمجلة الفنون التي كانت تصدرها وزارة الثقافة في عدن حينذاك، كل شهر كان يشتري عددها بعد صدوره مباشرةً و يسأل عنها إذا تأخر نشرها أيامًا، و أحيانًا يشتري أعدادا قديمة منها موجودة في الأكشاش يقرأوها كاملةً من الغلاف إلى الغلاف و أحيانًا يعيد القراءة لهذا الباب إو ذاك من أبوابها المنوعة الشيقة، كان ثمنها كما يتذكر أربعة شلنات.
كانت أبوابها المنوعة جذابة وشيقة عنده لاسيما إجابات مهموم على أصدقائه المراسلين بتلك الروح الفكاهية الساخرة الساحرة، و قبل سنوات فقط تعرف على مهموم نفسه بعد أن صار صاحبنا دكتورًا و قياديًا في اتحاد الأدباء و كان مهموم عضوًا عريقًا في الاتحاد - رحمه الله تعالى - لقد توفيَ في عام 2018م إنه الصديق الكاتب الشاعر الفنان الطيب فضل عقلان، كان يغرف من بحرٍ حين يصنع النكت و الطرف المدهشة وكثيرًا من النكت التي كانت تنتشر في الشارع العدني و الجنوبي كانت من بنات إبداعه رحمه الله تعالى.
في تلك المدة نفسها على اضطرابها أولع صاحبي بقراءة القصص و الشعر و لكن من المجلات و ليس من مصادرها الرئيسة كالدواوين ومصادر الأدب العربي و غيرها فليس هناك من يوجهه إلى هذه الكتب و لعلها لم تكن موجودة بشكلٍ وافر أو لم تكن في حيز الاهتمام من قبل الدولة أو المثقفين ؛ وما إن وجدَ مجموعات القاص محمد عبدالولي حتى انكبَ عليها قارئًا مسحورًا بها و كان ذلك على حساب مذاكرته من كتبه المدرسية، ظهرَ ميوله الأدبي واضحًا ونفوره من المواد العلمية، فقد كان يحب اللغة العربية و التاريخ والجغرافيا و الفلسفة و ينفر من الرياضيات و الإنجليزي و الكيمياء والفيزياء، و كانت الأحياء تقف وسطًا ببن هذه و تلك، و كان من الطبيعي أن يدخل القسم الأدبي في الثانوية ولكن في تلك المرحلة لم تكن الدراسة الثانوية مكونة من قسمين علمي وادبي بل كانت موسعةً.. اذ يدرس الطالب جميع المواد الأدبية و العلمية فيها و قد كان هذا ضد الفطرة البشرية نفسها، و لعل الذي جعل التعليم الثانوي ينقسم إلى علمي وأدبي كان عبقريًا!
أما الآن في زمن الغش المطلق فتجد الطلاب كلهم تقريبًا يسجلون في القسم العلمي فلم يعد هناك فرق فالبراشيم هي سيدة الموقف في كل حال و المعلمون أو من في مستواهم هم الذين يجاوبون على الأسئلة و ما على الطلاب إلا أن ينقلوها نقلًا أو يصوروها تصويرًا والله المستعان!

المواد العلمية بحاجة إلى متابعة وثيقة أو دقيقة و دحضور ذهني وتطبيقي فقد تكون غائبًا عن الدرس بينما كنت حاضرًا داخل الصف إذا انقطعتَ دقيقةً عن متابعة الشرح وخطوات الدرس فيتحوَّل كلام المدرس عندك إلى طلاسم فتغيب في جوك الخاص إلى أن تنتهِي الحصة .
في أحد الأيام كان لديه و زملاؤه اختبار في مادة الأحياء، قرأ صاحبي الأسئلة و لم يستطع أن يجاوب على أي سؤال، لأنه لم يستطع أن يقرأ أو يذاكر بعد أن تعقد و نفر من هذه المواد وانقطعَ عن المتابعة أولًا بأول.
كان في وضع لا يحسد عليه فهو لأول مرة يجد نفسه عاجزًا عن الجواب عن أي سؤال كان يحس بالمشكلة لكن ذلك الإحساس زاده نفورًا متعزيًا بذكائه في المواد الأدبية، في المستوى الأول و الثاني الثانوي في مدرسة لبوزة في ردفان لم يكن هكذا حاله مع المواد العلمية كان يخارج نفسه معتمدًا على نفسه و إن بدا تفوقه أكثر في المواد الأدبية، صاحبي اليوم يتحدث كثيرًا عن الاغتراب السياسي و الاجتماعي و العاطفي و غيره، ولعل ما كان فيه من علاقته بتلك المواد يعد اغترابًا علميًا أو اغترابًا مدرسيًا.
لمحَ الأستاذ الفلسطيني محمدًا سارحًا غير منهمك بالإجابة فذهب إلى حقيبته و أخرج ورقة منها و جاء بها الى محمد ..
أتدرون ما تلك الورقة؟
إنها ورقة محمد في الاختبار السابق في مادة الأحياء نفسها لم يستلمها لعله كان غائبًا حينما سلم الأستاذ أوراق الاختبار على الطلاب، كانت الإحابات فيها كلها صحيحة مزينة بإشارات صح أمام كل الإجابات، وبجوار الاسم كتب المدرس عشرين على عشرين ممتاز جدًا
ذلك الاختبار كان قبل شهر تقريبًا فماذا جرى حتى صار في هذا الاختبار يجلس أمام طلاسم في حالة اغتراب تعليمي مؤلم؟
لا أظن أن المشكلة في المادة او المدرس و لكنها في الطالب من حيث متابعته و قراءته و من حيث نفوره وعدم حبه للمادة وفي عدم مواجهته وصبره ، كانت ورقة الاختبار الأول مشرفة و كانت له عزاءً في ذلك الموقف المحبط اعادت له الثقة بنفسه .