آخر تحديث :الجمعة-23 فبراير 2024-03:29ص

انسداد الافق السياسي في العالم العربي ،،المظاهر والأسباب،،

الإثنين - 12 فبراير 2024 - الساعة 09:52 ص

علوي سلمان
بقلم: علوي سلمان
- ارشيف الكاتب


يعيش العالم العربي منذ عقود حالة من التفكك والتشرذم السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى في شتى مجالات الحياة بما فيها الاجتماعية والثقافية، وبطبيعة الحال هذا الوضع لم ينشىء من فراغ، وإنما كان نتيجة لعوامل كثيرة جداً أحاطت بها أطماع الدول الإستعمارية.

وجعلت منها حاملاً لكثير من مشاريعها التي كانت إلى تقسيم المنطقة وإضعافها وجعلها تابعا، وهذا ما حدث بالفعل لعدد من دول المنطقة التي تم تكبيلها بمعاهدات واتفاقات إقليمية ودولية، جعلت الشغل الشاغل لحكام وقيادات الدول العمل بكل طاقاتها لمنع حدوث أي اهتزازات أو انهيارات سياسية واقتصادية وسياسية في بلدانها، لعلها صمدت لفترة ما لكن جاء ماسمي بالربيع العربي ووضع جميع هذه الدول على حافة الهاوية ولم تعد قادرة على أن تفكر بأي مشروع قومي عربي خارج حدودها لما أصابها من تقلبات واهتزازات دفع الشعوب العربية ثمناً باهظاً جداً ومازالت، ولكن إلى متى سيستمر هذا الإستنزاف لمقدرات دول المنطقة وشعوبها في غياب شبه كامل للمرجعيات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية الثقافية والعلمية ونخب المجتمع في الوقت الراهن

"الذي يجري في العالم العربي ناجم عن مخطط ولد منذ مئة عام، نسجت خيوطه مجموعه من المفكرين وساعد في تنفيده النظام العربي وريث واقع أفرزته جملة من المتغيرات السياسية التي رعتها فرنسا وبريطانيا وزرعت إسرائيل لقيادة تفكيك المنطقه مستغلة الفقر الفرقه والتخلف والجهل وغياب رؤية عربية للخروج من هذا الواقع الذي خلفه

يعيش العالم العربي حالة من الضياع والتفكك نتيجة إنسداد آفاق الحلول لمشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتورط النظام العربي والجامعه العربية في المشاريع الخارجية والرضوخ التام لمشيئة الغرب وإسرائيل وغياب أي مشروع عربي متكامل رغم المعاناة والحروب والأزمات، ومن هنا لابد لنا من أن نستقرىء ونبحث في كثير من القضايا التي تحتاج إلى بحث ودراسة علمية عميقة تتقاطع فيها كل مرحل من المراحل التي مرت بها المنطقة مع الأخذ بعين الاعتبار المسببات والنتائج والبناء عليها في ما يخدم عكس مصالح القوى الاستعمارية ويفتح الطريق أمام الأجيال القادمة للتعلم من أخطاء الماضي التي أوصلتنا إلى هذا المصير السيء والخطير والذي يترتب عليه الكثير من النتائج السلبية على المدى البعيد في حال لم يتم وضع خطط مناسبة لمواجهته".
وقد فند الدكتور غالب صالح الباحث في الشؤون السياسية الاقتصادية المحاور التي يجب البحث فيها لمعرفة إلى أين نحن ذاهبون كعرب "كما يقول" على النحو التالي:

"- الأوضاع العامة في المنطقة والأسباب التاريخية التي تسببت بالوصول إلى مانحن فيه

— آفاق التسويه السياسية في ظل جمود الاتفاقات بين دول المنطقة

— دراسة الوضع المعيشي الناجم عن الحصار

— الصراعات الجانبية التي تخدم المشاريع الخارجية

— دور النخب من كل مايجري ومدى تأثيرهم في الرأي العام

— لماذا وصل العرب لهذه الدرجه من البؤس والانحلال

— ماهي عوامل النهوض على المستوى العربي والوطني

— هل من آفاق للحلول لمشكلات المنطقة وماهي أسسها

— كيف يمكن التعامل من تورطوا في المخطط الأمريكي

— الدول المناوئة منهكة من الحروب وتعيش أزمات معيشية واجتماعية

— هل الحلفاء صامدون أم يعجزون عن حسم المعركة

— متى وكيف نرى آفاق الحل في سوريا والمنطقة

— هل فعلا الشعوب ضائعة وانحصر تفكيرها في لقمة عيشها، ومالسبب وراء ذلك

— أهم عوامل استمرار هذا الواقع المؤسف وماهي السبل المطلوبة للتخلص منها قبل فوات الآوان

— أسباب غياب الحريات والرأي وغياب أي مشروع عربي للنهوض

— مكافحة الفساد المنظم الذي ساد في العقود الماضية

— غياب التنميه والعدالة والمساواة وسبل معالجتها

ويرى المفكر صالح أن أهم الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الواقع المذري والخطير تكمن في:

"غياب العلم والبحث العلمي في تأثير الدين على المجتمعات وخاصة الدين السياسي، الخروج من هذا الواقع بعد سقوط العرب منذ اتفاقات كامب ديفد ثم أوسلو ووادي عربه، ولا خروج من هذا الوضع إلا بإعتماد نهج المقاومه للتحرير، والتحرير لن يكون إلا بتكريس مفهوم المواطنة ونشر الفكر والإنتماء الوطني وتحديد الأهداف المرحلة القادمة على أساس برنامج سياسي واضح الأهداف نحقق من خلاله بناء المجتمع بناء وطنياً واستثمار كل مواردنا البشرية والمادية، والاعتماد أولا على قدراتنا الذاتية وتعزيز العلاقات مع الحلفاء والإنفتاح على المجتمع ووضع أسس متينة لبناء الدولة من خلال الإعتماد على النخب الفعلية وتعزيز دور المواطن من خلال مشاركته في الحياة العامه وحضوره من خلال ممثليه، وومن المهم جداً التركيز على تعزيز مفهوم الحوار البناء الذي يساعد في الوحدة الوطنية والعمل تحت سقف القانون لتحقيق العدالة".

أما المطلوب للنهوض "فلابد من أن يكون هناك برنامج وطني واضح لأننا سنبقى مستهدفون دائما، لذا لابد من العمل على أرضية وطنية وعروبية صلبة تتحصن بالأخلاق الوطنية والوظيفية ورفع مستوى الحالة التربوية القائمة على مكارم الأخلاق والبحث العلمي، نحن بحاجة ماسة لقراءة الواقع قراءة صحيحة ووبلورة أفكار الحل من خلال برنامج عمل وطني واضح الأهداف، وهذا يسري على الواقع العربي عامة، ولابد من تحقيق مبدأ فصل الدين عن الدولة أهم لأنه عامل من عوامل النهوض ولنترك الماضي بما فيه الماضون أصبحوا عظام هشة، يجب أن نتمسك بالمستقبل عبر تربية أجيال نلقنها الفكر السليم الذي ينجينا من الهلاك. (1)

من جانب آخر يرى الكاتب صالح النملة
إن العالم العربي ليس الوحيد الذي يحوي بين خيباته أقليات عرقية ودينية إلا أنه يكاد يكون الوحيد الذي ترى فيه الأقلية أنها أجدر بهذه الريادة الفكرية للعالم العربي

في مطلع القرن المنصرم كان الانطباع السائد لدى ذوي الاتجاهات الفكرية والفلسفية في العالم العربي سواء كانوا محافظين أو ليبراليين سواء كانوا من الذين يدعون إلى الانفتاح وتقمص الشخصية والفلسفة الفكرية الغربية، أو الذين ينادون بالرجوع إلى الأصول من حيث الفكر والفلسفة وحتى الذين تمخض عنهم الجدل في منتصف القرن المنصرم والداعين إلى أخذ ما لدى الغرب من جوانب ونبذ جوانب أخرى. كل الذين طالبوا بالانفتاح أو الانغلاق وكل الذين طالبوا بالعودة المعرفية من أجل الفهم المعرفي للتاريخ السياسي والاجتماعي العربي الإسلامي من أجل تجاوزها كل هؤلاء اليوم يعيشون مرحلة الانسداد المعرفي ومرحلة انسداد الأفق.

لم يكن ذلك على مستوى الانسداد المعرفي والفلسفي، بل إن التجارب العربية والسياسية والاقتصادية كذلك عانت من الفشل الذريع على مستوى الوطن العربي وأصبح مفهوم التطور السياسي والاقتصادي سلما يصعب تحقيقه في كل العواصم العربية والإسلامية ولم يكن هذا الانسداد الواضح في الآمال السياسية والاقتصادية كافيا لإحباط المواطن العربي بل كذلك أصبحت الهزائم العسكرية والذل للدول عنوانا صارخا من عناوين هذا المواطن العربي المعاصر اليوم.

إن أكثر ما يبعث على الاندهاش هو الاحساس الغامض الذي يقود إلى احتمال أن الجدل الذي دخل فيه العالم العربي منذ مطلع القرن المنصرم هو جدل ليس لهو معنى وليس له بال من حيث خيارات الأمة ومستقبلها، وهذا بالضبط ما يدعو إلى الهزة الحقيقية للمسلمات الفكرية التي تربى عليها ما يقارب الجيلين من المجتمع العربي اليوم وهذا بالضبط ما يمكن أن يُحدث هزة حقيقية لدى قناعات الفرد المعرفية، وهذا ينتج بشكل واضح من انسداد الأفق الحضاري والسياسي والاقتصادي الذي يعاني منه الوطن العربي اليوم، وهذا لن يقود إلى الانفجار كما يحب أن يقول العديد من الكُتاب، بل يمكن أن يقود إلى الذوبان والاضمحلال التدريجي لهذه الأمة وهذه الثقافة.

لا أكون مبالغا إذا قلت أن أكثر المواضيع جداً على الساحة العربية ولمدة تزيد عن القرن كانت غير ذات بال وغير ذات معنى لما حدث ويحدث حولنا من تطورات على المستوى الدولي، بل إن أكثر المواضيع لدينا تأثيرا في النظام الدولي هو النفط والطاقة لم يكن هذا جزءا من جدلنا الفلسفي سواء الاقتصادي أو الفكري التنموي، بل نظر إليه على أنه أداة وآلية من أجل الوصول للفكرة الأساسية وهذا ما يجعل مثل هذا الجدل الفكري العربي والإسلامي الذي دخلت فيه النخب وغير النخب هو جدل داخلي ليس له ارتباط بما يدورحولنا من الظواهر والتطورات. وبالفعل فإنه في الوقت الذي يشتد فيه الجدل داخل نطاق العالم العربي فإن بقية العوالم أو العالم لم يكن يهتم أو معنيا بما نقوله ونتحدث عنه وذلك لأن كل ما قيل هو ليس له ارتباط بما يحدث في العالم بل إن العالم الخارجي لم يكن مهتما بهذا الجدل وتطوراته إلا في حدود ارتباطه بالقضية الهامة بالنسبة إليه وهو الطاقة والنفط. أما ما دار ويدور من جدل في العالم العربي يبدو أن العوالم الأخرى أو العالم الخارجي لا يهمه أو يهتم بما يدور وذلك راجع لعدم ارتباط كل هذا الجدل منذ أكثر من قرن من الزمان ليس له اتصال أو اهتمام بما يدور حول العالم.

وأن العالم العربي كما يبدو أنه ليس معنيا بما يحدث حول العالم من تغيرات وكل ما يراه في العالم هو ما يراه انعكاسا للجدل الداخلي العربي فقط ولا يرى من العالم إلا ما يراه مرتبطا بهذا الجدل فقط ومنذ ذلك الوقت وأصبح هناك اهتمامات محددة استطاعت شل حركة الوطن العربي إلى حد بعيد والإسلامي إلى حد ما ولذلك فإن ما يراه العالم العربي مرتبط فقط ببعض النقاط الرئيسية وهي:

أولاً: الاستعمار:

هذه الحركة الفكرية والسياسية والاقتصادية التي استطاعت بها ومن خلالها استغلال العالم العربي ورغم أن هذا البعد لديه آفاق اقتصادية وسياسية إلا أننا لم نستطع أن ننظر إلى هذه العلاقة سوى أنها علاقة هيمنة من جانب واحد وبدلاً من الدخول في علاقة تبادلية منفعية من البعد الاجتماعي والسياسي أصبحت علاقة منبعثة من طرف واحد وقضية واحدة على أكثر الجوانب ايجابية، ولذلك فإن هناك العديد من القوى الاجتماعية والفكرية وجدت نفسها معزولة وبالتالي وجدت نفسها أنها بعيدة عن التأثير وبدلا من الاستفادة من الحالة أخذت تدفع إلى تأجيج الخلاف والعداء بينها وبين الطرف المقابل وبالتالي أصبح الاندماج في المصالح الذي لا يرتبط بالبعد الأيدلوجي هو اندماج مشبوه وغير نزيه حسب الأطروحات الفكرية العربية سواء بجانبها الليبرالي أو المحافظ، بل إن أكثر الأطروحات الغربية الأكثر أيدلوجية أطروحات نجد لها صدى واضحا في الوطن العربي وآخر هذه الأطروحات هي أطروحة صدام الحضارات التي لم يهتم بها العالم بكامله ولم تجد لها صدى إلا في العالم العربي، والغريب أن هذا الصدى كان على مستوى الليبرالي والمحافظ على حد سواء مما يعني أن أطروحات الطرفين تنطلق بنفس القالب الفكري والفلسفي حتى وان اختلفت نهايات النتيجة المراد تحقيقها.

إن مفهوم الصراع الفكري العربي بكل أنواعه وتشعباته دار حول دائرة واحدة هي منطلق المفهوم الاستعماري وبدلاً من تجاوز هذه القضية والاستفادة منها نجدها على العكس أصبحت إلى السجن الذي يحبس الفكر العربي المعاصر.

ثانياً: النهضة الفكرية المتضاربة أو المتضادة:

إن العالم العربي ليس الوحيد الذي يحوي بين خيباته أقليات عرقية ودينية إلا أنه يكاد يكون الوحيد الذي ترى فيه الأقلية أنها أجدر بهذه الريادة الفكرية للعالم العربي. إنك عندما تبحث عن الفلسفة الفكرية ومركزاتها فإنك تصاب بالهلع حيث إن الأقليات الفكرية والعرقية هي المهيمنة على الخطاب الفكري العربي المعاصر. وبالفعل فإن إرادة الأقلية الدينية في الوطن العربي أصبحت ذات هيمنة فكرية واسعة وكبيرة على الفكر العربي المعاصر وهذا يمكن ربطه بظاهرة الاستعمار كما ذكر سابقاً أو بالامبريالية الثقافية كما يحلو للعديد من المفكرين القول. ولذلك فإن فعل الأقلية الفكرية والعرقية والدينية العربية وخصوصاً المسيحية في منطقة الهلال الخصيب كانت ذات نظرة احتقارية للثقافة العامة العربية ذات الجذور الإسلامية ولم يكن ذلك ليكفي بل رأت هذه الأقليات الدينية أحقيتها في قيادة المجاميع الإسلامية ولذلك فإن رد الفعل المحافظ هو رد فعل ضد هذه التوجهات الثقافية التي تقودها الأقلية أكثرمن كونها ضد الآخر الأجنبي بحد ذاته، ولكن من أجل كسب المشروعية فإن محاربة الاستعمار والتقريب بين الأقليات من المجاميع الكبيرة أصبح عنوان وحدود دفع هيمنة الأقلية العربية المسيحية الفكرية على المجاميع العربية الإسلامية.

ثالثاً: لم يكن ذلك كافياً أن تكون شماعة الاستعمار والتناقض النهضوي الفكري العربي هو المشكلة بل وجدت العديد من الأنظمة السياسية العربية الفرصة من أجل العيش على هذا التناقض وهذ التضارب وبالتالي فإن دور الأنظمة السياسية العربية كان هو تأجيج هذه الخلافات والصراعات بدلا من جمعها في إطار اجتماعي حضاري واضح وقوي بل على العكس فإن الأنظمة السياسية رأت بأن تعيش وتقتات من تأجيج مثل هذه الصراعات من أجل تقسيم التوجهات العربية وبالتالي فرزنة وتجميد أي تطور سياسي محتمل وهذا ما حدث في أكثر الدول العربية تغنياً بالعروبة وأكثرها تغنيا بالليبرالية الاجتماعية والثقافية.

رابعاً: الإعلام وهذه الوسيلة التي بها تم تحويل اهتمام الشارع العربي إلى عين مفرطة بالضيق لا تتعدى حدود جسد المرأة الراقصة والإشادة بشخصية الزعيم المهيب.

خامساً: لم يبق للعالم العربي سوى من تصدير الطاقة المتوفرة لديه بكميات هائلة هذه المادة هي التي فرزت الوطن العربي بين مقتدر وفقير، بل وقلبت موازين القوة العربية لصالح دول المواد الخام على حساب دول الجعجعة الأيدلوجية البائدة والعروبة التي طالما تغنت بها تلك الدول على الرغم أن العربي هو أكثر شيء مهان في تلك الدول ذات التوجه القومي العربي المزعوم .(2)

ان الشرق الأوسط بعامة ومناطق التوتر والنزاعات بخاصة تعاني مما يصح وصفه بـ «الديبلوماسية التكتيكية» التي تمارسها قوى إقليمية ودولية، بعضها قد يربح اليوم إنما قد يخسر أيضاً غداً. فهي تتنافس في ما بينها على اكتساب النفوذ والسطوة على حساب دول المنطقة وشعوبها ومن دون أي اعتبار لمصالح دول المنطقة وحاجاتها الرئيسية. بل أكثر من ذلك، باتت خططها ومناوراتها وأساليبها سبباً إضافياً للمشكلات.

اليوم، باتت الصورة اكثر وضوحاً: يتعرض الإقليم لانتهاكات على أكثر من صعيد في ظل عدم إلمام بحقيقة مشكلاته سواء من اللاعبين الخارجيين، وهم كثر، أو من الأنظمة الحاكمة واغلبها متسلط ومستبد. هل من سبيل للخروج من هذا النفق أو هذه الدائرة المغلقة، حيث تحمل التسويات في ثناياها بذور حروب ونزاعات جديدة؟.. إن التطلع إلى مستقبل المنطقة وسط هذا الواقع المظلم يحتم معالجة ثلاث قضايا في آن واحد:

أولاً: إفلاس الحوكمة

إن معظم الدول العربية تعاني من غياب الحوكمة الفعالة يتمثل بفشل قيام مؤسسات سياسية صالحة تخدم الشعوب بواقعية ونضج ومسؤولية وانعدام المشاركة السياسية والتهميش وتفشي الفساد وسوء استعمال السلطة وتدخل القوى الأمنية والعسكرية في الحياة السياسية وهيمنة الانتماءات الفرعية على المواطنة الجامعة والتشدد الطائفي والمذهبي، إضافة إلى المناهج التربوية البائدة والسياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية غير المتجانسة والملتبسة وشحّ في الموارد الطبيعية لا سيما في الدول ذات الكثافة السكانية. باختصار، تشكل هذه المشكلات أو المعضلات مجتمعة كارثة محتمة. بالطبع سيعتبر الكثيرون هذا التوصيف بمثابة تنظير لا يقترح حلولاً آنية أو مستدامة لمآسي هذه الدول والشعوب. الجواب أن وضع حلول للمشكلات والأزمات لا يبحث على المستوى النظري عن الممكن وغير الممكن، بل يبحث عن الصواب، والصواب اليوم هو الاعتراف بضرورة التوصل إلى عقد اجتماعي جديد في هذه المنطقة يحول الحاكم إلى مؤسسات والشعوب إلى مواطنين،ودون ذلك، لن تنجح كل محاولات الإصلاح المطروحة أو المتداولة سواء أتت من الداخل أو الخارج. فالعقود الاجتماعية السارية اليوم في العالم العربي لا تلتزم قاعدة التعاقد لأنها لم تنشأ وفق إرادة الشعب ولا تعكس مكوّنات الأمة وثقافتها وحضارتها، كما أنها لم تأت في إطار التطور الطبيعي للمجتمع. وإلى جانب دور النخب الثقافي في صَوغ عقد اجتماعي جديد، من المهم توفير بيئة مناسبة لولادته تتلخص في ثلاثة أمور غابت عن التجربة السياسية العربية في القرن الأخير وهي الحرية والاستقرار وحسن تمثيل الشعوب.


ثانيا: مستقبل إسرائيل في المنطقة

على الرغم من الانكفاء الإسرائيلي المعلن عن النزاعات الجارية في المنطقة، فهذا لا يعني قبولها كدولة مشروعة في قلب العالم العربي. وعلى الرغم من كل التغيرات التي شهدها النظام الإقليمي بدءا من اندلاع الثورات العربية مروراً بانهيار الدولة الوطنية في أكثر من مكان وهيمنة التنظيمات المسلحة ومنها «داعش»، وصولاً إلى تصاعد نفوذ إيران والميليشيات الموالية لها، بقيت إسرائيل تعتمد سياسة «شراء الوقت» بالنسبة إلى القضية الفلسطينية. هذه السياسة لن تعمر طويلاً، ولن تلبث معضلات إسرائيل مع العالم العربي إن تظهر مجدداً بما أنها لم تقتنع بحتمية حصول الفلسطينيين على دولة مستقلة قابلة للحياة عاصمتها القدس الشرقية. تحقيق ذلك يستتبع تنازلات يبدو أن الإسرائيليين غير مستعدين لتقديمها. على الرغم من الإرث العدائي بين العالم العربي وإسرائيل، تخطى الرأي العام العربي مرحلة إلغاء إسرائيل من الوجود وبات العرب يدركون أنها واقع مر لا بد من التعايش معه ولكن في إطار حل عادل ضمن الشروط التي أسلفناها. في هذا السياق، على المجتمع الدولي استثمار هذه اللحظة التاريخية والضغط على إسرائيل للسير بهذا الاتجاه وإقناعها بأنها لن تعرف الاستقرار لا هي ولا دول الإقليم دون دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يقوم على مبدأ الدولتين.

ثالثا: الأمن المائي

يعاني الشرق الأوسط من قنبلة موقوتة هي نقص موارد المياه لا سيما في عدد من الدول التي تواجه تصحراً متصاعداً. إلى جانب فقر العالم العربي في مصادر المياه العذبة التي لا تتعدى 1 في المئة فقط من كل الجريان السطحي للمياه ونحو 2 في المئة من مجموع الأمطار في العالم، فإن غياب السياسات الفاعلة في هذا المجال تجعله لا يستغل سوى 50 في المئة فقط من هذه المصادر والباقي معرض للهدر والضياع، يضاف إلى ذلك الاستيلاء والاستغلال غير الشرعي لموارد المياه العربية. هذا الواقع قد يهدد الاستقرار الهش أساساً ويسبب حروبا وموجات هجرة يطال أثرها عدداً من دول المنطقة وبعض الدول الأوروبية. هذه الوقائع باتت تفرض على جميع الأطراف، لا سيما القوى السياسية في السلطة او خارجها كما النخب كافة والقوى الخارجية، تبديلاً سريعاً وملحاً في الأولويات والدوافع، والانتقال من السياسات القصيرة المدى والرؤية إلى استراتيجيات استشرافية بعيدة المدى قادرة على مواجهة المشاكل الرئيسة والبنيوية. حتى اليوم، لا تزال الديبلوماسية الدولية تجاه الإقليم تقرأ في كتاب قديم ولا تزال مثقلة بمصالح القوى الدولية والإقليمية، بحيث تعمل كل منها على ترتيب المنطقة لتصل إلى حالة من الاستقرار على مقاسها، أو إيجاد حالة من التوازن الهش يُبقي المنطقة على شفير الهاوية ريثما يتم تكييفها. كما فاجأ الربيع العربي الجميع قبل أن يتحول إلى خريف أو شتاء، قد نشهد حراكاً آخر وتشدداً عنيفاً أشرس وحرباً إسرائيلية قد تتحول إلى حرب إقليمية أوسع وموجات نزوح وهجرة أشد خطراً، تجعل كلها الانحلال والتفكك السمة الرئيسة لمستقبل هذه المنطقة. إن اللعب على حافة الهاوية يعرض الجميع للسقوط فيها، وعلى المجتمع الدولي ترويض بعض القوى الإقليمية التي خرجت عن السيطرة والضغط على القوى الدولية لتغير جيواستراتيجياتها والتقدم بحل إبداعي ينقل الشرق الأوسط إلى حالة تسمح له بطرق باب الحداثة.(3)

في السابع من أكتوبر الحالي قامت المقاومة الفلسطينية بعملية عسكرية واسعة ومفاجئة، اقتحمت خلالها كل منطقة غلاف غزة، والمقصود بها المستوطنات الاسرائيلية في تلك المنطقة، واستطاعت تحقيق انتصار استراتيجيّ غير مسبوق وألحقت بالكيان الصهيوني هزيمة ساحقة أصابته بالجنون ودفعته للتفكير في مستقبل الكيان نفسه.

وصلت منطقة الشرق الأوسط كلها في العقد الأخير إلى انسداد الأفق السياسي والديموقراطي والاقتصادي والاجتماعي أمام الأنظمة وشعوب المنطقه نتيجة الضغوط الهائلة للغرب عليها،
بالعدوان المباشر أو الحصار أو الضغوط السياسية والاقتصادية الهائلة، والهدف الرئيسي إعادة ترتيب المنطقه وتهدئتها وحل الصراع العربي الإسرائيلي لمصلحة إسرائيل، بما يضمن ريادة الكيان وسيطرته تحت شعار شرق أوسط جديد .
الهدف الأميركي والغربي من ذلك كله هو حاجة أميركا والغرب إلى هدوء المنطقة وانظباطها استعدادًا للمعركة الفاصلة مع الصين، والتي سوف تبدأها أميركا في عام ٢٠٢٧ كما تتحدث عنها أميركا نفسها علانية.
فوجئ الغرب بعملية طوفان الأقصى ونتائجها الكارثية على إسرائيل، رغم أنّ الحديث السياسي في الغرب والمنطقة كان عن أنّ المخرج الوحيد للانسداد الشامل في المنطقة والضغوط الهائلة على حلف المقاومة هو حرب شاملة تعيد ترتيب المنطقه في الضد من الاستراتيجية الشاملة للانجلو ساكسون، مما سيترتب عليه تأخير المخطط الغربي لحربه السياسية والاقتصادية والحربية مع الصين.
من هنا نفهم سرعة الغرب في تحركه العسكري والسياسي إلى المنطقة وقدوم البوارج والأساطيل الأميركيه والبريطانية إلى المنطقة، فهدفها الوحيد ليس الدخول في حرب، وإنما سعيًا إلى منع باقي حلف المقاومة، وبالأخص حزب الله، من الاشتراك في الحرب مما سيقود المنطقة كلها إلى حرب كبيرة ينتظرها الحلف وإنهاء الدور الاسرائيلي في المنطقة، مما يعني أن أمريكا لا تريد حربًا في المنطقة تطيح بمخططات الانجلو ساكسون في إعادة ترتيب العالم للقرن القادم تحفظ فيها سيطرته العالمية وريادته
على البشرية.
في الرد على طوفان القدس تركت أميركا إسرائيل للرد بحرب إبادة على الفلسطينيين في غزة، تحت شعار الحرب على الإرهاب الكاذب والذي تم تدمير دولًا كثيرة في العالم من كل من يشكل خطرًا على مصالح الانجلو ساكسون من ضمنها بالمناسبة أوروبا الغربية، بدفعها إلى المستنقع الاوكراني وتدمير اقتصادها وتشجيع انتقال رأس المال الأوروبي إلى أميركا، في ظل التراجع الاقتصادي في أوروبا كلها الذي كان قائمًا على الطاقة الرخيصة والمواد الأوّلية الروسية، والتي أجبرت أوروبا الغربيو على فرض حصار اقتصادي شامل ومخيف على العلاقة الاقتصادية والتجارية مع روسيا، اودت بأوروبا إلى وضع اقتصادي غير مسبوق يخرجها رويدًا رويدًا من المنافسة الدولية، ويفقدها قدرتها على التأثير في السياسة الدولية، ويبقيها تابعًا مبتذلا لسطوه الانجلو ساكسون.
ايا كانت نتائج حرب غزة، إيجابية أو سلبية، فقد كتبت بداية النهاية لإسرائيل والتي لن تطول، وذلك بسبب نازية وعنجهية إسرائيل المستندة إلى تفوقها ودعم الغرب لها، وهنا لا بد من التفكير في موقف الغرب نفسه من الكيان.
أميركا أطلقت يد إسرائيل بالفتك بغزة بشكل بربري ووحشي وتعمل على تغطيتها سياسيًا ودوليًا وتساعدها على تهجير سكان غزة إلى مصر، والتي تقاوم لحد الآن ضغوط عالمية لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزو ومن ثم توطينهم فيها.
يجب أن نفهم أن الضغوط على مصر الشقيقة هائلة قد تؤدي بمصر، اذا استمرت بمقاومتها، إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد مما يعني تشكل مخاطر أخرى جدية بحرب إقليمية أخرى، وخاصة أنّ مصر تدرك أنها قوة إقليمية كبرى لا تستطيع أن تنكفئ في وقت يجري فيه صراع إقليمي كبير على ريادة الإقليم بين أربع دول إقليمية كبرى هي مصر وايران وتركيا والسعودية، على هذه الريادة والمؤهل الطبيعي لذلك إيران ومصر، وهذا يفرض التزامًا سياسيًا وقوميًا عليها، لا تستطيع التخلي عنه والا حلّت تركيا الطامحة والمشبّعة بأحلام طورانية تاريخية في ريادة الإقليم مع ايران.
يبقى التفكير في مدى دعم الانجلو ساكسون الكيان في حربه على غزة، وفي الحدود التي ستجبر فيها إسرائيل على التوقف بسبب عجزها أو إمكانية الانجرار إلى حرب كبيرة تلف المنطقة كلها لا تريدها أميركا وتهدد خطتها في إعاده ترتيب العالم، والتي تحتاج فيها إلى سكون المنطقة وهدوئها وضمان تبعيتها بالضغط والتهديد. وعليه أعتقد أنّ أميركا والتجربة التاريخية في الصراع قد حددت وقتًا زمنيًا لإسرائيل لإنجاز عمليتها العسكرية في غزة، ولكنه لا يمكن أن يتجاوز الشهر، وهنا ندرك أهمية صمود المقاومة في غزة لوحدها من دون اشتراك حلف المقاومة الفعلي في الحرب، وبعدها ستفرض وقائع جديدة ترعب الغرب وحلفاءه، وتجعل معركة الغرب مع الصين معقدة، وتشكل عالمًا جديدًا فيه هيمنة الغرب سوف تتأخر عن موعد الاشتباكات الفعلية مع الصين التي حددتها أمريكا في ٢٠٢٧ كما قلنا.
وسوف تظهر هنا مشكلة جديدة للغرب، وهي مدى حاجته لإسرائيل، وقد يستغرب الكثيرون مثل هذا التفكير، ولكن التاريخ يثبت ان أميركا لها تاريخ مخز في التخلي عن حلفائها وتركهم لمصيرهم المشوؤم ما دامت انتهت مصلحتها معهم.
قد يظن البعض أن هذا كلام خياليّ، وأنّ إسرائيل صنيعة الامبريالية، وبقاءها مصلحة استراتيجية للغرب، وهذا صحيح إلى الحد الذي إن كان بقاؤها يهدد مصالح الغرب في المنطقه ولا يفيدها
ووجهة نظر أخرى تقول أن إسرائيل صناعة الامبريالية والتي يحكمها ويسيرها الرأسمال اليهودي وهذا صحيح، الا أن الرأسمال اليهودي أيضًا براغماتي يبحث عن مصالحه، وضمانها وهو يجده مع الانجلو ساكسون اساسًا، والعقيدة البروتستانتية صاحبة القناعو الدينية التلمودية، وهذا كافٍ لضمان مصالح الرأسمالية اليهودية، والتخلص من فكرة إنقاذ إسرائيل ما دامت تهدد مصالح الامبريالية الانجلو ساكسونية. ولا ننسى أن هذا السيناريو سلكه رأس المال اليهودي طوال تاريخه وخاصة مع الغرب منذ القرن الخامس عشر بعد طرد العرب واليهود منها وحتى مع هتلر فقد ساعدته ومدته بالاموال وسمحت له بإبادة اليهود وتهجيرهم إلى فلسطين في نفس الوقت.(4)

الخلاصة:


كل ماسبق يؤشر على أن طوفان الاقصى هي إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ ونتائجها ستفرض تاريخًا جديدًا على المنطقه وتغييرات مهمة على مسار شعوبها ودولها، رغم هول ما يجري من دمار ودم والألم يتحمله الشعب الفلسطيني الباسل ومقاومته، إلا انه يقترب بخطى ثابتة نحو قدره الموعود بالنصر ونيل حقه المشروع في الحرية، ونيل حقوقه في وطنه وعلى تراب وطنه الذي غمسه بالدم والتضحية والايثار.

الهوامش :

(1) د غالب صالح: باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية.
(2) صالح النملة: العالم العربي وانسداد الافق . جريدة الرياض .
(3) إعلامي لبناني : انسداد الافق السياسي في الشرق الأوسط والرقص على حافة الهاوية.
(4) أحمد فاخر: طوفان الاقصى إلى أين ستنتهي.