آخر تحديث :الأربعاء-22 مايو 2024-05:50م

قراءة في قصيدة ( طفل متسول) للشاعر لطفي أمان

الثلاثاء - 16 يناير 2024 - الساعة 02:58 م

د.عبده يحيى الدباني
بقلم: د.عبده يحيى الدباني
- ارشيف الكاتب




أولا :  النص

في وجهك المحزون ياطفلي الصغير

وطني الكبير 

وطني بأوسع منتهاه

وطني المعذب في حماه 

وطني النبيض على انتفاضات الحياة 

وطني الكبير 

في وجهك المحزون ياطفلي الصغير

ياجرح اغنية حزينة 

جشاتك أحشاء المدينة 

وتقلصت منك الديار 

حتى الظلام..

 القابع المكدود في قعر الجدار

 حبس الظلال 

واستكبرت حتى الفوانيس الضئيلة
 
من أن تمد يد الشعاع 

إلى دروبك ..

وتمد لي كفا هزيلة 

(لله).. تستجدي..

فتعصر مهجتي .. 

وتذيب روحي 

عيناك في خفض

ولثغتك الذليلة 

لله (ياثيدي )

فتنزف بي جروحي 

لا ياصغيري 

خيرات أرضي لم تكن ابدا قليلة 

لكن يقال بإننا شعب فقير 

شعب من الأسمال والأطلال

 والخبز الحقير

شعب تمر به المواكب وهو مغلول
 المسير 

ويتوه في كل الأزقة مثلك طفل صغير

رث حقير 

ليقال عنا اننا شعب فقير

لا ياصغيري

كانت بلادي مرتع المتسولين 

كانت..وكنا مضغة المستعمرين 

مستضعفين .. وواجفين 

نستلهم الغيب البهيم 

ونظل نرقد حالمين 

بالغيب .. بالغيب البهيم

ومواكب الأحرار تعبر في جنون 

تطوي الحزون 

وتفتت الاطواد شامخة

وتعصف بالحصون 

وانا وانت والقبائل ..والعشائر

 والبطون 

نستلهم الغيب البهيم

متخاذلين .. وقانعين 

متسولين ..
 
...لا ياصغيري .. لا ياصغيري

انا لا اريدك أن تكون 

رمزا لماضينا اللعين 

فلانت يا طفلي الصغير 

وطني الكبير 

وطني بأوسع منتهاه

وطني المقدس 

في كرامته وعزة كبرياه


ثانيا : القراءة ..
من خلال العنوان وهو عتبة مهمة يعكس ماهو داخل النص وعلامة عليه وإشارة إليه ، وقد جاء نكرة (طفل متسول)  لم يقل الشاعر (الطفل المتسول)  فهو  ليس محددا ولا محدودا ؛ إنما هو طفل من الأطفال متسول،  ولعل هناك أطفالا متسولين آخرين فهو منهم  فالتنكير ضاعف دلالة البؤس على الطفل البائس اصلا 
واوحى بتشرده وضياعه.
 أما العاطفة المسيطرة على النص فهي  عاطفة الرحمة لهذا الطفل والتفاعل الوجداني مع وضعه البائس الذي سيذكر الشاعر صفاته من خلال النص ،  والرحمة ليست بعيدة عن الشعراء فالشعر عواطف في الأول والأخير كما قال الشاعر المصري شكري :
إلا ياطائر الفردوس
إن الشعر وجدان 
 فلطفي أمان هو معلم تربوي وفنان وشاعر،  وكثيرا مانجد في شعره التعاطف مع الإنسان في كل مكان حتى في خارج الوطن ، ومع البؤساء في وطنه وفي غير وطنه وليس غريبا على مثل هذا الشاعر الرومانسي المرهف مثل هذه العاطفة والتعاطف، ثم انه  ابن هذه المدينة عدن التي عرفت بقبول الآخر إنسانيا وبالتعايش والتراحم  وقد عكس لطفي طبيعتها وروحها في شعره ؛ فإن لم يكن قد عكس شكلها ومناظرها إلا قليلا فانه  قد جسد روحها وهو أفضل وهو بذلك أجمل !
 لقد كرر  الشاعر  أسلوب النداء:  ( ياطفلي) مرات فهو طفله ينسبه  إليه رحمة وانتماء مع أنه طفل مشرد  عابر سبيل متسول ولكنه يناديه بكل حنان يذكرنا بتلك النداءات في شعره 
لابنه جهاد لطفي رحمهما الله تعالى.
 هذا النداء المفعم بالشعور بالمسؤولية
لدى المثقف الشاعر الفنان المعلم الإنسان .
 وفي النص تتجلى لنا ثنائية : الوطن  والطفل،  والطفل الوطن ، والشاعر من أول القصيدة يرى في وجه الطفل البائس المتسول وجه وطنه الكبير ، الطفل الصغير يقابل الوطن الكبير وهذه رؤية شعرية عميقة إذ اضحى الطفل رمزا للوطن .. الطفل البائس رمز للوطن البائس انما هو  عينة من هذا الوطن والطفولة عينة صادقة على مستوى الواقع وعلى مستوى الشعر ، وأي وطن وأي شعب يكون فيه الأطفال بؤساء فلا شك انه بائس فصار الطفل وطنا  واقعا ورمزا وهذه رؤية الشعر لا تتقوقع في الموضوع وصفا ولكنها تنفذ من خلاله إلى ابعاده المختلفة. وهكذا في أكثر من موقف يمزج الشاعر بين الطفل والوطن فهو مسكون بهما  الجزء والكل .
   ولكن الشاعر لم يختصر  حديثه عن الطفل دون الوطن فقد مزج بينهما تارة وذهب تارة يتحدث عن الوطن الكبير وخيراته وثقافته وبؤسه الراهن وعماينبغي أن يكون عليه مستقبلا ووضع يده على سبب هذا التخلف والتعثر والبؤس في وجه الطفل الوطن والوطن الطفل .
 وإذا ماألقينا نظرة على البناء الفني للنص ؛ فإنه ينتمي إلى قصيدة التفعيلة ، متميزا بموسيقاه الظاهرة، والتنويع في القوافي، وفي قصيدة التفعيلة تطول الأسطر وتقصر  حسب الدفقة الشعورية للشاعر  ، ويعد  لطفي أمان من رواد هذا الشكل الشعري الجديد  في اليمن وفي الشعر العربي المعاصر بوجه عام .
 الصورة الفنية تعددت في هذا النص مابين الرمز والاستعارة والتشبيه وغيرها ونلاحظ كثافة التصوير في المقطع الاتي:
في وجهك المحزون يا طفلي الصغير
يا جرح أغنية حزينة 
جشاتك احشاء المدينة
وتقلصت منك الديار 
حتى الظلام ...
القابع المكدود في قعر الجدار 
حبس الظلال
واستكبرت حتى الفوانيس الضئيلة
من أن تمد يد الشعاع
إلى دروبك 
هكذا كان المقطع يموج بالحركة والصوت واللون لنقل ماساة الطفل الوطن والوطن الطفل .
وقد وظف الشاعر السرد في القصيدة والسرد في شعر لطفي ظاهرة تستحق الدرس فالقصيدة هنا حكاية تتضمن حوارا  وفيها  شخصيات،   شخصية الطفل في تحاوره مع الشاعر وحينا الشاعر يستخدم لكنة الطفل (لله يثتجدي ) ( لله ياثيدي)  هذا صوت الطفل وهذا له دلالته الواقعية العميقة.

لطفي شاعر مجدد ليس  على مستوى الشكل ولكن كذلك على مستوى المضامين ، وهو شاعر تنويري إذا جاز التعبير  ، شاعر أمة ووطن ونهضة، وكثيرا ما كان  يوازن بين ماضي الأمة وحاضرها ، وكثيرا ما يريد أن يخرجها من حالة الخزعبلات والأساطير والثقافة السقيمة والمتوارثة والأوهام والجهل إلى رحاب التحديث والتطور وحياة العصر والعلم ، ومن هنا لاحظ  كيف وضع يده على المأساة التي سببت هذه الحياة البائسة للطفل وللوطن ،هذا الطفل المتسول كان يرى مشكلته في بعض الدراهم لو أعطى إياها شعر بالسعادة، وكأنه حل المشكلة ، وبعضهم قد يرى أن مأساته سوف تنتهي بعدد من النقود، لكن الرؤية عند الشاعر تختلف فهي  أوسع وأعمق واعم.
وقال :  لا ياصغيري ! 
ولا  هنا تدل على الرفض وأسلوب يا صغيري يضخ حنانا وعطفا وشعورا بالمسؤولية ازاء الوطن والجيل والمستقبل.
 إن هذا الطفل ما هو إلا رمز لشعب ووطن فاذا ا صلح شأنه صلح شأن الوطن وإذا صلح شأن الوطن صلح شأن الطفل هذا وغيره .

لقد نفذت رؤية الشاعر من خلال الجزء إلى الكل..من خلال الطفل إلى الوطن مصورا عوامل التخلف بتكثيف شعري مثل الجهل والاعتماد على الغيب والنظرة الاسطورية إلى الواقع وتعليله وتبريره وفق ذلك ، كما ذكر القبائل والعشائر كناية عن الحروب والثأرات والصراعات والتعصب والتمزق الاجتماعي ، وذكر الاستعمار وكيف انه جعل هذه الأمة تتسول، وكيف نهب خيراتها وهي امة  كان لها تاريخ عريق ومجيد وفي أرضها  ثروات وخيرات ؛ ولكن الغرب الذي تقدم علينا بخطوات أوقفنا مكاننا ونهب ثرواتنا وأحتل أوطاننا،  وقد كتب الشاعر هذه القصيدة في زمن الاحتلال البريطاني للجنوب الحبيب.

ومن الثنائيات في النص لدينا ثنائية الطفل والمدينة ، هذه المدينة هي  مسرح النص ولكن أي مدينة يقصد الشاعر ؟ هل هي مدينة عدن؟  مع ان عدن أرحم بالمستضعفين والمساكين  ولكن هذا بوجه عام  ، لكنها مثل أي مدينة يحصل فيها التشرد والضياع . وقد تكون مدينة أخرى لان لطفي زار مدنا كثيرة وهو عادة يلتفت إلى وضع الإنسان حيث كان ؛  لكنه هنا ربط بين الوطن والطفل فهل يعني بوطنه عدن أم الجنوب المحتل أم بلاد اليمن الواسعة التي لم تكن  تمثل هوية سياسية واحدة  أم الوطن العربي الكبير الذي طال ما تغنى به الشاعر ؟ إن لطفي عنده رؤية واسعة قومية وانسانية فهو عابر للحدود شعرا وشعورا .
كثيرا ما شكا الشعراء المعاصرون من المدينة الحديثة وقسوتها على الغرباء  والفقراء والمساكين والمشردين ومنهم  الأطفال ولعل بعض الشعراء أنفسهم قد عانوا من هذه القسوة فالبرجوازية في المدن يهمها الكسب ولا تلتفت إلى الأمور الانسانية، والمدينة  مجتمع متنوع لا يعرف بعضه البعض  عكس مجتمع القرية الذي هو مجتمع ينحدر من نسب واحد ويعرف بعضهم بعضا .

فهذا الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي سماها (مدينة بلا قلب) وقد يكون هو نفسه قسى عليها
بمثل هذا العنوان.
والمدينة في هذا النص  جشات  الطفل وهذه صورة موحية ومعبرة ، واستكتثرت عليه حتى الظل تحت أي جدار من جدرانها الشاهقة،  
اضحى الطفل البائس كأنه جسم غريب القته امواج المدينة الهائجة إلى العراء فليس ثمة مكان يحتويه في هذه المدينة الواسعة لأن كل شيء محسوب ومملوك ومحتكر، فلا لقي نورا في الليل ولا وجد ظلا في النهار لقد تجهمت المدينة في وجهه الصغير فما كان إلا الشاعر التفت إليه ورصد غربته وبؤسه.