آخر تحديث :الأحد-03 مارس 2024-08:56ص

الضمير الإنساني.. ومواقف الحياة ..!!

الجمعة - 08 ديسمبر 2023 - الساعة 05:30 م

إبراهيم ناصر الجرفي
بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


بدون شك بأن الضمير الإنساني يكون حي عندما يقف دائماً وأبداً في جانب الخير ، وفي صف الحق ، ويكون من دعاة التعايش السلمي ، ويرفض ويدين كل الأعمال والانتهاكات الوحشية والعدوانية من أي طرف كان ، فلا يوجد في قاموسه من تلك التقسيمات الظالمة والجائرة والمزاجية التي قد تبرر وتبيح بعض الأعمال والانتهاكات السلبية والعدوانية وتدين وتحرم البعض الآخر ، فمواقفه الإنسانية ثابتة وليست متغيرة بحسب تعصباته ومصالحه ، فالأنسانية بالنسبة لهذا الضمير الإنساني الحي لا تتجزأ ولا تقسم ، فالاعتداء على الأطفال والنساء والمدنيين في زمن الحروب والصراعات وقتلهم وتدمير مساكنهم وممتلكاتهم وتشريدهم من الأمور المرفوضة والمدانة والمحرمة شرعاً وعقلاً وقانوناً وعرفاُ ، من أي طرف كان أياً كان دينه أو مذهبه أو عرقه أو لونه ، حتى وإن كان من أقرب المقربين له ، وضد أي طرف كانت تلك الأعمال الوحشية ، فهو ينظر إلى كل بني الإنسان على أنهم إخوة له في الإنسانية ، حتى وإن كانت لديه خلافات مع البعض منهم في وجهات النظر أو المواقف أو حتى في المعتقد أو المذهب ، فإن ذلك لا يبرر بأي حالٍ من الأحوال قتلهم والاعتداء عليهم وانتهاك حرماتهم ومصادرة حقوقهم وحرياتهم ..!!

بعكس حال الضمير الإنساني الميت الذي دائماً ما يقف في جانب الشر وفي صف الباطل ، ويكون من دعاة الفتن والحروب والصراعات ، والذي لا يرفض ولا يدين الأعمال والانتهاكات الوحشية اذا كانت ضد الآخرين وخصوصا المخالفين له في الرأي والفكر والمعتقد ، بل تراه وهو يبرر ويفاخر ويشجع على القيام بتلك الأعمال الوحشية ضد الأطراف الأخرى بدافع التعصب الديني أو المذهبي أو العرقي ، فمواقفه الإنسانية متغيرة ومتبدلة حسب مصالحه وأهوائه وتعصباته ، فالإنسانية بالنسبة للضمير الميت محصورة في نفسه وفي من يرتبط بهم دينيا أو مذهبيا أو عرقياً أو فكرياً أو مصلحياً ، أما دون ذلك فلا إنسانية لهم ولا حقوق ولا حريات لهم ، وليس لهم الحق في الحياة من حيث المبدأ ، هكذا ينظر صاحب الضمير الميت والسلبي إلى إخوانه في الإنسانية نظرة كلها تعصب وحقد وكراهية وسلبية وعدوانية ، فكل من يختلف معهم في الرأي أو المعتقد هم بحسب تفكيره المأزوم والمعتل نفسياً عبارة عن أعداء وليس لهم أي حقوق أو حريات ، ويجب محاربتهم والقضاء عليهم ، ومبررات القتل والاعتداء على الآخرين جاهزة لديه ولا يشعر بأي تأنيب للضمير تجاه ذلك ، بل قد تراه وهو يشعر بالنشوة والفرح وهو يشاهد المجازر والانتهاكات الوحشية ضد الآخرين. ، بل قد يصل التطرف والتشدد والتعصب بصاحب الضمير الميت إلى اعتبار تلك الانتهاكات والجرائم أعمال بطولية وجهادية مقدسة ..!!

لتجد المجتمعات البشرية نفسها أمام ثقافة سلبية مغلوطة ومدمرة ومشوهة ، أنشأها ورعاها ومجدها ونظر لها وتعهدها وقدسها أصحاب الضمائر الميتة عبر التاريخ البشري ، ثقافة دمرت وحطمت كل شيء جميل في حياة البشر ، وشوهت ومزقت كل جسور التواصل الإنساني والتعارف الإيجابي فيما بينهم ، ثقافة بررت سفك الدماء وانتهاك الاعراض ومصادرة الحقوق والحريات ، ثقافة عدوانية سلبية أسقطت البشر من مرتبة العقلانية والحكمة إلى مراتب الوحوش والحيوانات المفترسة ، ثقافة همجية تعمل على تقديس وتبرير الجرائم والانتهاكات الوحشية ضد الإنسانية ، ثقافة السلب والنهب والفيد والقتل والتصفيات العرقية ، ومواقف الإنسان تجاه الأحداث  والمواقف الحياتية المتغيرة والمتجددة هي من تحدد نوعية الضمير الذي يوجد في داخله ، فمن ينظر إلى الإنسانية على أنها كل لا يتجزأ فهو صاحب ضمير حي ، ومن يجزئ الإنسانية حسب مصالحه وأفكاره ومعتقداته فهو صاحب ضمير ميت كلي أو جزئي ، لأنه لا توجد أبداً مصالح أو أفكار أو معتقدات يمكن أن تبيح الانتهاكات والجرائم الوحشية ضد بني الإنسان ، وبالذات ضد الأطفال والنساء والمدنيين والأبرياء في زمن الحروب والصراعات ..!!