آخر تحديث :الخميس-22 فبراير 2024-05:14م

الجيش و الجباية الشرعية

الثلاثاء - 28 نوفمبر 2023 - الساعة 12:00 ص

جمال لقم
بقلم: جمال لقم
- ارشيف الكاتب


 يكثر الحديث هذه الأيام عن الجبايات التي تفرض على القواطر و شاحنات نقل البضائع من قبل الميازين و نقاط الأمن الممتدة بين المحافظات و بالذات في المناطق الجنوبية ، و مع أني ضد هذه الجبايات على إعتبار أنها غير شرعية و تؤخذ بغير حق و لها ضررها و إنعكاساتها السلبية على معيشة المواطن العادي و تتسبب في إرتفاع سعر المواد الغذائية و عزوف بعض التجار و الشركات التجارية عن العمل في ظل تلك الجبايات و قوانينها الجائرة ، إلا أنه يمكنني القول ان تلك الأحاديث و المنشورات الإعلامية الحالية لها طابعها و أهدافها السياسية في المقام الأول و نادرا ما كان منها يهدف بذلك إلى مصلحة الوطن و المواطن ..

 لم تعد الجبايات حكراً على جهة معينة فجميع القوى و الجهات النافذة تمارسها و إن أختلفت الطرق و المسميات ، فالحوثيين يفرضونها تحت اسم الضريبة و المجهود الحربي و دعم إحتفالات و فعاليات مناسباتهم الدينية ، و تحت مسميات الميازيين و التحسين و النظافة و مسميات أخرى يفرضها المجلس الإنتقالي الجنوبي و هو الأكثر عرضة للضغوط و الإنتقادات بشأنها ، و  هناك جبايات أخرى تمارس هنا و هناك و بشكل خفي دون أن يتم تسليط الضوء عليها ، و لعل الأسماء الوهمية في كشوفات مرتبات الجيش هي الأقوى  و الإكثر إرهاقاً و إنهاكاً لخزينة الدولة و بالتالي تعد الأكثر ضرراً عن بقياتها على المواطن و الوطن برمته ..

قبل أشهر معدوادت  أصدرت وزارة المالية قراراً بتحويل الرواتب المدنية و العسكرية على البنوك التجارية و كان هذا القرار قد حظي بإنتقادات و إعتراضات قطاع واسع من موظفي و نقابات مؤسسات الدولة و أتذكر حينها أن وزارة المالية و البنك قد شكلوا حينها ما يشبه غرفة العمليات بغرض تمرير هذا القرار لتطمين الموظفين و توضيح أسباب إتخاذ القرار و أن القرار يهدف إلى المصلحة العامة .. و حينها كان البنك المركزي و وزارة المالية قد ذكرت أسباب كثيرة لهذا القرار و هنا أشير إلى أهم سبب ورد ضمن تلك الأسباب و هو توفير السيولة للبنك من خلال القضاء على الرواتب الوهمية و الإزدواج الوظيفي و بشأن ذلك فقد نشرت المواقع الإخبارية تصريحين متزامنين من قبل كل من وزير المالية و رئيس البنك المركزي اليمني ، فالوزير بن بريك يقول أن لدى الوزارة معلومات أن كشوفات مرتبات وزارة الدفاع تضم من بينها عدد يقارب 590 ألفاً مابين وهميين و مزدوجين و منقطعين و رئيس البنك المركزي الدكتور المعبقي في تصريحه يقول أن وقود الكهرباء لعدن يكلف مليون دولار يومياً لا تستطيع أيرادات عدن توفيره و أن مصافي عدن تحتاج إلى ما يقارب ال30 مليون دولار لإعادة تشغيلها و لا تستطيع الحكومة توفير هذا المبلغ و نكتفي بهذه التصريحات كأهم اسباب إحالة الرواتب إلى البنوك التجارية و التي تهدف إلى القضاء على تلك الإختلالات في كشوفات الرواتب و تخفيف عبئها الكبير على خزينة الدولة و إعادة تلك المبالغ إلى الخزينه لإستخدامها في مشاريع التنمية ..

  بحسبه بسيطه و بالأخذ عامل المتوسط ف ال590 ألفاً هي قوة متنوعة الرتب و الرواتب و إضافة إلى صرفياتها اليومية فالنفترض مجرد إفتراض أن الكل يستلم 85 ألفاً ، ثم نقوم بضرب ال85 ألفاً في عدد القوة ال590 ألفاً فالحصيلة مبلغاً كبيراً و خيالياً يصرف إلى جهة مجهولة و مؤكد أن تلك بحاجة إلى تبييضه و أما أن تكون تستخدمه كسيولة لمحلات صرافة ما أو أنها تقوم بتحويل المبلغ إلى العملة الصعبة و تهريبه إلى الخارج بغرض التجارة أو شراء العقارات و هي تحصل على تلك العملة من خلال شراءها من السوق مباشرة ، أي بعملية مضاربة شهرية و بالتالي فهذا المبلغ يساهم دورياً في تدهور العملة مقابل إرتفاع في سعر المواد الإستهلاكية و الغذائية و الدواء و الوقود و بالتالي تضرر كبير لكل بيت و لكل أسرة و لكل شرائح المجتمع الغلبان ، و معادلة الموت تلك ستكون على النحو ... 
590000 × 85000 = 501500000000و عند عملية المضاربة يتم قسمة المبلغ على 1500 لتحويله إلى دولار و ستكون النتيجة ما يقارب ال33 مليون دولار و هو مبلغ ليس بالقليل و له تأثيره الكبير على تدهور العملة و إرتفاع الإسعار و لكم أن تتخيلوا خلال السنوات الماضية كم من أسر جاعت أو أنتحرت أو ماتت لعدم قدرتها شراء الدواء أو لعدم قدرتها على توفير أجرة نقل مريض إلى المستشفى و لكم أن تتخيلوا أيضاً الأضرار الإجتماعية أيضاً من زيادة نسب الطلاق و زيادة نسب العوانس و اللجوء إلى السرقة و تعاطي المخدرات و و و و ...

 لم يكن وليد اللحظة الحديث عن الأزدواج و الأسماء الوهمية في كشوفات مرتبات الجيش بل كان قديم الأزل و منذ الشهور الأولى لعهد الوحدة و حاول وزراء دفاع جنوبيون الخوض فيه كهيثم طاهر و هادي و عليوه و محمد ناصر احمد إلا أن كل هؤلاء لم تتوفر لهم الظروف اللوجيستة المناسبة و لعل الوزير محسن الداعري هو الجنوبي الوحيد الذي توفرت له كل الظروف المؤاتية المناسبة كالقرار الشرعي و الدعم السياسي إضافة إلى دعم دول التحالف و الرباعية الدولية إلا أنه قد فشل في إستغلال تلك الظروف و لم يبد أية خطوات إيجابية تؤكد توجهه للبت و حسم هذا الملف ..

 منذ صدور قرار تحويل المرتبات إلى البنوك التجارية فالجيش هو المؤسسة الحكومية الوحيدة التي لم تنفذه و ما ينشر عن أسباب رفض وزارة الدفاع تنفيذه يعد حجج واهية ، فالحوثيين هم من يسيطر على المركز المعلوماتي و الإتصالات و الشبكات المالية و الجوازات و بطائق الهوية و أذونات الطيران المدني و من غير المحتمل إطلاقاً أن لا تكون مؤسسات الدولة في المناطق المحررة غير مخترقة إستخباراتباً من قبلهم و بالإضافة إلى أن مفاوضات السلام الجارية تحوي بنداً أساسياً خاصاً بالرواتب و من المؤكد أن هناك معلومات متوفرة لدى كل الجهات المعنية بشأن كشوفات الرواتب لدى الجانبين و بالتالي فعزوف وزارة الدفاع عن تنفيذ قرار وزارة المالية الخاص بالرواتب ماهو الا محاولة أخرى للإستمرارية في أخفاء كشوفات الوهميين و شرعنة إستمراريتها ..

  حقيقة فمنذ تعيين اللواء الركن محسن الداعري وزيراً للدفاع فلم تشهد وزارته تقدماً أو عملاً جباراً يمكن إحتسابه في كفة الوزير فعدى تنفيذه لبعض الخطوات و القرارات و المشاريع التي توقفت سابقاً نتيجة للصراع السياسي السابق و عدى ما ينشره المخضرم مقراط و زميله القطيبي عن اللقاءات في مكتبه و زياراته الأولى لبعض الجبهات و زياراته ذات البعد الإجتماعي لبعض قيادات الجيش فلم تشهد الوزارة قرارات خاصة بالإستعدادات و الجهوزية لإحتمالات ما بعد الهدنة غير المعلنة ، فلا قرارات خاصة بالتنقلات أكان ذلك لقادت الألوية أو للألوية ذاتها أو تغييراً للكيفية و النوعية لمناطق الجبهات أو تعزيزاتها ، كما أن الجيش لم يخض أية معركة منذ توليه الوزارة ، و المعركة الحقيقية التي كان ينتظر الشعب أن على الوزير خوضها و حسمها فشل فيها الوزير حتى الآن و أعيد و أكرر حتى الآن و تلك الجبهة و المعركة هي حسم ملف الأسماء الوهمية و المزدوجين لما لها من تأثيرات سلبية و أضرار بالمواطن العادي .. فمنذ الثلاثة الأشهر الأولى من عمر قرار وزارة المالية بتحويل الرواتب إلى البنوك التجارية و بحسب ما نسب لوزير المالية و رئيس البنك المركزي فوزارة الدفاع تسببت في خسائر للخزانة العامة بما يقارب ال100 مليون دولار و هذا المبلغ كان كفيلاً بتشغيل المصافي و بناء محطات كبيرة للطاقة الشمسية و كبح جماح تدهور العملة و إرتفاع الأسعار التي تثقل كاهل المواطن .