آخر تحديث :الإثنين-17 يونيو 2024-01:04ص

ذكرياتي مع الزمرة (1986 / 1989)

الإثنين - 20 نوفمبر 2023 - الساعة 01:49 م

ناصر علي الحربي
بقلم: ناصر علي الحربي
- ارشيف الكاتب


كما تعودت احب ان التزم في كتاباتي بالمرونة وإن اتجنب قدر الاستطاعة شخصنة الامور وعدم ذكر أشخاص بعينهم بمزاياهم او بعيوبهم مهما كانت مراتبهم الاجتماعية ومستوياتهم الوظيفية في الدولة والمجتمع.. إلا أن الأمر في كتابة الذكريات يختلف عن الكتابات الأخرى فكاتب الذكريات يفرض عليه ذكر الأحداث والوقائع ومواقف وأدوار الاشخاص في تلك المواقف.. وهي ذكريات مضت ولا تهدف إلى التشهير بأحد ولكنها ضرورة يتعظ بها الأشخاص لتجنب العيوب في ماضيهم والاستفادة من مزاياه.

من حسن الحظ وانا اتحدث في ذكرياتي هذه عن اشخاص مسؤولين لا زالوا احياء يرزقون.. ذلك ما يؤكد مصداقية هذه الذكريات مع قيادات نضالية كنا ولا زلنا نقتدي بها ونتمنى لها كل خير ونسأل الله ان يطيل في اعمارها.

 

مؤامرة يناير 1986م ....

هي نكبة مدمرة استهدفت مؤسسات الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعبثت بالمنجزات التي تحققت بعرق الجماهير ودمرت مؤسسات دولة وقوات مسلحة كانت نموذج وفخر لكل يمني وعربي.. لا زلنا نتذكر هذه النكبة وما الحقته من اضرار وخسائر في البنية التحتية لبلادنا وسقوط آلاف الضحايا لا لشيء إلا لتعصب البعض للقبيلة والمنطقة والتمسك بالسلطة بأي ثمن حتى وإن كان ثمنا باهظا كضخامة الثمن الذي قدمه شعبنا وقواته المسلحة ومؤسساته في أحداث يناير الدامية.

مثل كثيرون لم أكن متحمسا لتلك الاحداث المشؤومة لكنها فرضت علينا وعلى آلاف المواطنين الشرفا والمخلصين لثورتهم ووطنهم وشعبهم.. سعيد الحظ من سلمه الله في تلك الإحداث وتمكن من إنقاذ نفسه بأي طريقة ومنها النزوح والابتعاد عن أرضه وبيته واحبابه...

سقطوا أكثر من 15 ألف من الضحايا في هذه الحرب وتشرد من أرضهم وبيوتهم ووظائفهم عشرات الألاف من المواطنين الشرفاء اللذين فرضت عليهم هذه الاحداث..

فتحت السلطات في الشمال للنازحين من الجنوب البيوت في صنعاء وتعز والحديدة والبيضاء وغيرها من المدن الشمالية، وفتحت كذلك المعسكرات التي استوعبت ما يقارب 30 الف واكثر من النازحين الجنوبيين.

كانت بعض قياداتنا الجنوبية النازحة متحمسة لاستخدام القوة للعودة إلى الجنوب إلا أن السلطات الشمالية وفي مقدمتها الرئيس السابق علي عبدالله صالح كان ممانعاً وحذراً من استخدام القوة واتخذ من الحوارات والمفاوضات البينية مع سلطات عدن ممثلة برئيس اليمن الديمقراطية سابقاً علي سالم البيض.. الرئيسان اللذان اتخذا من الحوار وسيلة لتقارب النظامين الشطريين وتحقيق اهدافهما بإعلان الجمهورية اليمنية في 22 مايو من عام 1990م.

كنت من ضمن آلاف النازحين وكلفت في النصف الثاني من عام 1986م بالعمل في معسكر السوادية نائباً لمدير التموين العسكري لوحدات الزمرة الأخ محمد ناصر الحسني، كنت مواظب في ممارسة مهامي في المعسكر مع المرحوم محمد عبدالله الصاصي والمرحوم سالم عمر المسيبلي ومحمد حسين الثرياء وغيرهم من الضباط.

في منتصف عام 1987م طلب مني الأخ محمد ناصر الحسني العمل معه في صنعاء فانتقلت حينها الى صنعاء للعمل تحت قيادته.

كان لطيب الذكر عبدالله علي عليوه رئيس هيئة الأركان العامة دوره العسكري والإنساني البارز في الحفاظ على وحدة وتماسك منتسبي الوحدات العسكرية للزمرة المشتتين في المعسكرات، اللذين تم حصرهم إدارياً واطلقوا عليهم فيما بعد مسمى (مجموعة ب).

في العام 1988م تقريبا ظهرت بعض الخلافات بين اقطاب الزمرة على الملأ، كان القلة من الزمرة مستفيدين ومرتبين أمورهم المادية والبعض الآخر كانوا يعانون ومحرومين من ابسط الحقوق الميسرة لغيرهم.

حفاظا على ما تبقى لي من علاقة طيبة مع زملائي وبعض الأصدقاء وتجنبا للمشاكل والتي كانت اساسها خلافات حول مصالح ضيقة فقد قررت البقاء في منزلي وتجميد نفسي في أي عمل أو نشاط.

سمع الأخ عبدالله علي عليوه ببقائي في البيت دون عمل وفوجئت بزيارته لي إلى منزلي المتواضع في صنعاء كان يرافقه في الزيارة البطل المرحوم سالم علي قطن قائد لواء شلال.. كانت تلك الزيارة في منتصف عام 1989م ...

عرض علي الاخ عليوه تكليف بمنصب نائب قائد الوحدات العسكرية للزمرة في ليبيا (بن عرب) بدلاً عن الأخ محمد عبدالله باحلة بعد انتهاء فترة عمله.. تحفظت على الموضوع إلا أن الأخ عليوه وبعلاقتي الطيبة به استطاع ان يقنعني بقبول هذه الوظيفة.

طبعاً في ذلك الوقت كان الأخ حسين محمد عرب سفيراً للزمرة وملحقها العسكري في كل من ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا - إذا لم تخني ذاكرتي - وذلك ما كان الجميع يعلمه.. اضافة الى ذلك كان بن عرب قائدا للوحدات العسكرية للزمرة في ليبيا.

سلمني الاخ عليوه (رئيس هيئة الأركان العامة)، رسالة تكليفي بالمهمة موجهة إلى بن عرب بشأن تعييني نائبا له لشؤون الإمداد والتموين.

سافرت الى طرابلس عبر دمشق وصلت إلى مطار طرابلس ولم يستقبلني أحد وانا لأول مرة اعرف ليبيا فاضطررت لأخذ تكسي نقلني الى بوابة المدينة السياحية في طرابلس المدينة المخصصة لإقامة بعض القيادات والأفراد من قوات الزمرة وكانت مقراً لإقامة العشرات من الوافدين الى طرابلس من معارضي اوروبا وامريكا الشمالية والجنوبية المدعومين من نظام القذافي في ذلك الوقت (رحم الله القذافي).

بعد الانتظار حوالي ربع ساعة على بوابة المدينة وصلني الشاب محمد علي مندوب بن عرب في طرابلس لينقلني الى شقة وجدت فيها الأخوة قادة الألوية أحمد عباد وفيصل رجب.. كنت مجهد من السفر قلت لهم يا لوماه بتردوا على الأقل شي من الجميل.. استقبلتكم في مطار دمشق واستأجرت لكم شقة وودعتكم في مطار دمشق عند مغادرتكم الى طرابلس واليوم ماكنتم باتتكلفون شي اذا تجملتم وارسلتم لي المندوب يستقبلني وينقلني من المطار اما انتم قادة لا الومكم في استقبالي.

اقترب مني أحمد عباد يشاورني يقول الرجال مش موافق ما يشتيك تعمل معه (فهمت يقصد بن عرب)، فعلاً وصل بن عرب من جناحه في فندق الخمسة نجوم يسألني ايش جابك؟ قلت له انا مكلف للعمل ضمن القوة وهذا التوجيه من الأخ رئيس هيئة الاركان العامة.. رد عليه بسخرية من رئيس الأركان؟ فهمت على طول رفض الرجل ولكني قررت اسلمه رسالة اخرى من محمد علي احمد كان مضطرا ان يقرأها ويضعها في جيبه لكنها اربكته على ما لاحظته من ملامح وجهه وغلقه من هذه الرسالة التي دفعته في نفس الليلة لمغادرة طرابلس إلى صنعاء لا لشي وإنما فقط لإقناع محمد علي بعدم قبولي.. ونجح في ذلك بعد تردد على منزل محمد علي دام اسبوعين وبمعلومات مؤكدة كانت تصلني من زملاء لي في صنعاء.

حاولت زيارة بعض المرافق العسكرية الليبية كانوا لي زملاء ليبيين درسوا معي في أكاديمية الامداد والتموين في الاتحاد السوفيتي الا اني لم اتمكن من الدخول إلى هذه المرافق بتوجيه من بن عرب بعدم السماح لاي قائد من وحدات الزمرة بزيارة هذه المرافق وهذه المعلومة تحصلت عليها من العناصر الأمنية الليبية المسؤولة عن أمن بوابات هذه المرافق.

عاد بن عرب من صنعاء الى طرابلس استدعاني وسلمني تذاكر سفر للعودة خلال 6 ساعات الى صنعاء عبر دمشق، مع اكرامية قدره (100) دولار دون أن يدفع لي أي مليم لفترة اقامتي في طرابلس، (45) يوماً عشت على حساب زملاء لي باقتراض مبالغ منهم، اذكر منهم الصديق الوفي سعيد العزاني الذي لم يقصر معي وعلمت فيما بعد بانه من القيادات التي لم يقبلها بن عرب للعمل معه.

إن سألت نفسي هل ندمت يا ناصر حربي على عدم قبول بن عرب بك للعمل معه في طرابلس؟ لرديت على نفسي بصراحة أبداً، لم ولن اندم طول حياتي، وما انا نادم عليه فقط، هو عدم قدرتي على مواجهة بن عرب الذي استغل منصبه ونفوذه في ذلك الوقت واستوحدني. وندمي الأكبر هو قبولي الاضطراري بالمئة الدولار بعد ان تقطعت بي السبل، كنت وحيداً ولم تفرق بيني وبين المغادرة من طرابلس الى دمشق إلا ساعات.

كان يتوقع مني بن عرب ما حدث له مع باحلة وناذخ وعبدالله منصور، أن أغادر طرابلس الى معسكر الويق لأطلب النجدة.. ما عرفني بن عرب أعز المعرفة.. فذلك مالم احتاجه طول حياتي العملية ولم يكن في حسابي الاستعانة بالقبيلة لتفرضني بالقوة على الآخرين.

(غادرت طرابلس متجهاً إلى دمشق حسب الموعد الذي قرره القائد بن عرب)، كان في استقبالي في دمشق طيب الذكر الحبيب السيد حيمد عبدالله منصور كنا نلتقي احيانا مع الأخ سالم محمد ناصر الجعري الذي عرف بتفاصيل موضوعي وطلب مني إبلاغ علي ناصر محمد بهذا الموضوع، فقلت له يا أخي سالم لا اضن ان بن عرب يعمل ذلك بدون معرفة علي ناصر محمد! اكيد بن عرب مر على علي ناصر قبل نصف شهر وهو متجه إلى محمد علي أحمد في صنعاء ليطلب رضاه بالتخلي عني.. (كان رد الجعري ونصيحته من الضروري تبلغ علي ناصر).

أخذت ورقة وقلم، كنت حينها في غرفة ابن المناضل ناصر السقاف الذي كان معنا هو والجعري وحيمد فكتبت رسالتي الى الرفيق علي ناصر محمد شارحا فيها اني رائد في القوات المسلحة وخريج أكاديمية امداد وتموين ولدي تعيين من رئيس هيئة الأركان العامة لأشغل منصب نائب قائد القوات في ليبيا لشؤون الامداد والتموين. طالبا من الاخ الرئيس علي ناصر محمد التدخل وحث بن عرب على القبول بقرار التعيين.

على ما اذكر أن الجعري أوصل رسالتي مشكوراً إلى حسين صالح مدير مكتب علي ناصر محمد في دمشق وبعد اسبوعين التقينا بالجعري ومعي حيمد بنفس غرفة السقاف فاتصل الجعري بمدير مكتب علي ناصر محمد يسأله هل من رد في موضوع ناصر الحربي؟ كان رد حسين صالح نعم.. "وجه الرفيق علي ناصر بعودة الحربي الى صنعاء.. يشوف عليوه".

كان رد صادم بالنسبة لي ولزملائي الجعري وحيمد عبدالله منصور والسقاف قلت للجعري هل فهمتوا شي.. انا شخصيا ما فهمت من رد الرفيق علي ناصر إلا وكأنه يقول خلي عليوه ينفعك يا حربي..

وصلت إلى صنعاء وقررت ترك الزمرة ومجموعة (ب) تماماً وبقناعة مطلقة والالتحاق بالكلية الحربية للعمل كمدرس ضمن مجموعة من الضباط الأكاديميين اللذين عملنا معهم في مجال التدريس ابتداء من العام الدراسي (1989 / 1990)!

هذه هي ذكرياتي الموجزة خلال الفترة من عام 1986م حتى عام 1989م.

بعد وصولي إلى صنعاء وقبل الشروع في عملي الجديد في الكلية الحربية استدعاني المرحوم سالم علي قطن الى مكتبه في القيادة العامة يسألني عن الوضع في طرابلس مع القوة العسكرية هناك.. خاصة وقطن كان المرشح للسفر مع ضباط وأفراد لواء شلال لاستبدال أحد الألوية هناك ولأن الرجل احب ان يسمع مني شي من النصح والرأي فقد كنت أميناً معه فقلت أخي القائد انت شخصية معروفة بوطنيتك وبصلابتك ومن رأيي إذا اصروا عليك بالسفر يمكنك توافق اذا قررت ذلك ولكن بشرط أن يكون الطاقم الاداري والمالي المسؤول عن تامين اللواء ان يكون من قوام لواء شلال ويتبعك شخصيا ويمارس مهامه مع المؤسسات الليبية المختصة في طرابلس مع القوة العسكرية هناك دون ذلك فانا اخشى ان تواجه صعوبات واخطار في مجال عملك انتم في غنى عنها..

سلمت قطن ملف يتضمن وثائق بكل المعلومات التي جمعتها اثناء اقامتي في طرابلس والمتضمنة المعاناة التي يتعرض لها ضباط وأفراد القوة وظروف المرضى وعدم الاهتمام بهم ولا بعلاجاتهم وماهي إلا أيام حتى اعفوا قطن من هذه المهمة التي توقفت نهائيا واُعيدت القوات العسكرية للزمرة الى اليمن.

(لم تتوفر لدي المعلومة من كان صاحب القرار في توقيف إرسال قوات الزمرة إلى ليبيا)....

هذه ذكريات موجزة حبيت أن اسجلها للتاريخ وهي جزء بسيط من ذكرياتي التي أرغب أن ادونها عن نفسي... والله من وراء القصد...

 

وللحديث بقية بإذن الله تعالى....