آخر تحديث :الأحد-19 مايو 2024-08:30ص

إعادة التصور في مفهوم الصراع العربي الغربي

السبت - 28 أكتوبر 2023 - الساعة 10:05 م

سلمان المقرمي
بقلم: سلمان المقرمي
- ارشيف الكاتب



استطاعت كتائب القـسام والمقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر الماضي تحطيم الأساطير الإسرائيلية كلها دفعة واحدة: قهرت الجيش الذي لا يقهر، وحطمت الاستخبارات الصهيونية الأقوى في العالم التي تعلم كل شيء، كما أنهت صورة إسرائيل القوية ومجتمعها المتماسك، إلى الأبد، وأظهرت أن إسرائيل قوية بالغرب وليس بذاتها، وهناك نتيجة أخرى، لعملية القسام: لا إيران ولا محورها ولا أحد من مليشياتها، له علاقة بفلسطين، ومسألة تحرير فلسطين هي قضية العرب بالدرجة الأولى، والمسلمين في العالم من غير الشيعة، وأحرار العالم الثالث.

التدمير الصهيوني لقطاع غزة فوق سكانه، لن يعيد أي شيء مما فقدته، ولن يعيد الأمن إلى الصهاينة. يخبرنا التاريخ الطويل للصراع العربي الإسرائيلي الغربي الذي يتضمن الدول الاستعمارية الكبرى من أوروبا والولايات المتحدة، أن فشل النظام العربي خلال العقود في تحرير فلسطين، وفي إقامة الدولة الفلسطينية في أراضي67، لم ينه المقاومة العربية، وأن انهيار الاتحاد السوفيتي وغزو بيروت وتدمير منظمة التحرير الفلسطينية وصولا إلى اتفاق أوسلو1993، لم ينه المقاومة العربية، كما أن محاولات الصهاينة والغرب الصليبي تدمير المقاومة العربية في غزة لن ينهي المقاومة مطلقا.

على العكس من ذلك، استطاعت المقاومة العربية في غزة عبر حركة حماس تحديدا وبقية الفصائل تحرير القطاع غزة في 2005، ورغم الحصار الأبشع منذ 2007 على القطاع، استطاع تثبيت معادلة فقدان الأمن للمجتمع الصهيوني الهش، وصولا إلى طوفان الأقصى واقتحام المستوطنات في السابع من أكتوبر الماضي.

إن الجرائم الصهيونية بحق قطاع غزة لن ترهب الناس ولن ترعبهم، وكل أسرة فقدت طفلا أو امرأة أو رجلا، أو أعاقتهم، لن يجعلها ذلك رهينة للاستعباد، بل سيجعل منها ومن غضبها المتراكم وحنقها وشعورها بالعجز وسيلة قوة، لبناء الإنسان المقاوم الذي سيكون قوته وقدراته أكثر بكثير من محمد الضيف والجيل الحالي من المقاومة.

تعمل المعركة الحالية من طوفان الأقصى والرد الصهيوني البشع عليها على إعادة مفهوم هذا الصراع ببعده الحقيقي: صراع بين العرب والإسلام ضد الغرب الصليبي، ذلك أن اليهود منذ معارك بني قينقاع والنظير وبني قريظة وخيبر، ليس لهم أي قوة مطلقا على مواجهة العرب والمسلمين منذ ذلك التاريخ، وإنما المعركة التاريخية بين العرب والمسلمين وبين أوروبا الصليبية والغربية.

وأدى الانهيار الإسرائيلي والهزيمة المذلة التي لحقت بهم في ساعات صباح السابع من أكتوبر والعبور المجيد الثاني للمقاومة، إلى تدخل أمريكي بريطاني فرنسي ألماني مباشر، وغيرهم من الدول الاستعمارية والصليبية إلى ساحة المواجهة المباشرة، إلى التفكير مجددا بأن المعركة تبدو معركة العرب والمسلمين ضد الغرب، وقد كرر الأردن عبر وزير خارجيته مرارا مخاوفه من هذا الشعور، وآخرها لدى الأمم المتحدة الخميس الماضي، حيث قال إن المعركة الحالية تتجه لتكون في وعي الناس معركة بين العرب والمسلمين من جهة، وبين الغرب الصليبي من جهة أخرى.

إعادة هذا التصور يقتضي تغييرات هائلة على مستوى الواقع العربي، ليكون عند مستوى هذه المعركة، يبدأ بتغير هائلة للأنظمة العربية القطرية التي نشأت نتيجة الاستعمار الغربي بعد الحرب العالمية الأولى وقبلها وبعدها وصولا إلى حركات التحرر الوطني في منتصف القرن الماضي، وقد كتبت معركة طوفان الأقصى نهاية حتمية لذلك الواقع.

لا يعني هذا الكلام دعوة لإسقاط الدولة العربية الوطنية وأنظمتها القطرية، بل لإعادة بناءها بما يتناسب مع الواقع الناتج عن طوفان الأقصى، وذلك يقضي حتما بأن تعمل الشعوب والدول العربية على تطوير نفسها، وتقوية مجتمعاتها، وتحرير شعوبها من براثن الظلم والقهر والاستبداد وإعادة بنائه ليس لاسترضاء الغرب، ولا للاندماج معه، بل لبناء مركزية عربية جديدة تقودها الدول العربية الكبرى، مثل مصر والسعودية، وأن تعمل على تحرير العراق وسوريا من الاحتلالات الأجنبية والإيرانية لكي تكون الدول المركزية العربية حاضرة في هذه المواجهة التي لا يمكن ربحها بدون هذه الدول.