آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-01:32م

حروب إسرائيل لا تنتهي

الثلاثاء - 24 أكتوبر 2023 - الساعة 02:55 م

مصطفى النعمان
بقلم: مصطفى النعمان
- ارشيف الكاتب


من الصعب متابعة ما يدور في غزة وإسرائيل من دون أن يكون للمرء موقف أخلاقي وسياسي إزاء الأحداث الدامية هناك، وصار الأمر مصدر قلق شديد للذين هاجروا إلى الغرب بحثاً عن الأمان والحرية، ففاجأتهم الإجراءات التي تمنعهم من التعبير عن مواقفهم إذا كانت مناصرة لحقوق الفلسطينيين.

لقد أفصحت أحداث غزة عن الازدواجية والعنصرية والتعالي التي تمارسها الحكومات الغربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، كما أنها عرت زيف كل الدروس الأخلاقية والقيمية التي كان الغربيون يقدمونها للحكومات العربية، ومطالباتها بتحسين الأوضاع الحقوقية والسياسية في مجتمعاتنا.

قبل أيام، أجرت إحدى المحطات الألمانية لقاءً قصيراً مع وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كسينجر، الذي كان عراب إنقاذ إسرائيل في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، بعد أن تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس ونفي نظرية أن جيش إسرائيل لا يُهزم، ولولا ذلك التدخل الأميركي المباشر لكانت الأوضاع الجيوسياسية قد تبدلت ولصار الحل السياسي للقضية الفلسطينية ممكناً، ثم جاءت الضربة القاسية التي وجهتها "حماس" في السابع من أكتوبر الجاري،  لتسقط كل معايير الأمن والسلامة التي كان الجيش الإسرائيلي يتباهى بها، ولتثير الفزع في عواصم الغرب من انهيار وهم الجيش الأقوى في المنطقة.

على رغم الـ100 عام التي تجاوزها كسينجر، إلا أنه تمكن من الاختيار الدقيق للكلمات القليلة التي نطق بها، فجاءت غاضبة ولم يتمكن من إخفاء قلقه على مصير إسرائيل جراء ما حدث في السابع من أكتوبر، وكانت تعبيراته فاضحة لما يراه وكثير من الساسة الغربيين عن منظورهم تجاه القضية برمتها والحرب الحالية خصوصاً، بل زاد أن حرض على ضرورة الانتقام من عملية السابع من أكتوبر.

ليس مستغرباً ولا مفاجئاً موقف كسينجر، فهو مازال مسكوناً في أعماقه بذكريات الهروب من ألمانيا النازية واستقراره في الولايات المتحدة، التي تمكن فيها من الصعود إلى أعلى موقع سياسي يمكن أن يبلغه أي مهاجر، ولكن الذي استمر متحكماً في كل السياسات التي نفذها بدهاء كان الدفاع المستميت عن بقاء إسرائيل وضمان تفوقها العسكري.

من تناقضات ما نشهده الآن أن ما يطلق عليه (جيش الدفاع الإسرائيلي) كان هو من يبدأ كل الحروب منذ نشأته عدا حرب السادس من أكتوبر 1973، التي كان هو المدافع في بداياتها، وهذا مقياس لموجهات السياسة الإسرائيلية في مخاطبة الرأي العام والحديث عن رغبتها في السلام وفي الوقت نفسه لي الحقائق، لكنها تفشل دائماً في الظهور بدور البريء الذي يتشبث بالقواعد الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع خصومه.

ومع الاعتراف بداية بأن قتل المدنيين أو اختطافهم غير مقبول ومدان ولا يمكن تشجيعه، إلا أن إسرائيل نفسها لم تتوقف يوماً عن سجن وقتل واغتيال خصومها داخل غزة أو في الضفة الغربية أو خارجها أو خارج حدودها، وسقطت الآلة الإعلامية الغربية فتغاضت وحرفت الوقائع دفاعاً عما ترتكبه من انتهاكات وتدمير واعتقالات واغتيالات على امتداد العقود الماضية، ولا يريد العالم أن يتذكر أعداد الذين هجرتهم من منازلهم في الضفة الغربية ثم دمرتها، واقتلعت أشجار الزيتون التي غرسها ورعاها أصحاب الأرض الأصليون لأنها كانت تمثل الدليل القاطع عن هوية المالك الأصلي لتلك الأرض.

لم تكن لغة هنري كسينجر مختلفة كثيراً عما يستخدمه الإعلام والساسة في الغرب، ولكن نبرة العداء والكراهية صارت هي المسار السائد هناك، وكان لافتاً انتقاده الصريح والعنصري لقبول المهاجرين في ألمانيا والغرب عموماً، واعتباره خطأ ثقافياً سيحدث تغييراً ديموغرافياً سيشكل ضغطاً على صانعي القرار في تلك البلدان. وفي الواقع، فإنه تعمد اختيار المفردات التي تعبر عن أن ما تقوم به إسرائيل من حرب شاملة ضد قطاع غزة الذي تحاصره من سنوات طويلة هو في نظره، ضروري للقضاء على حركة "حماس" دونما حاجة لوضع أدنى قيمة إنسانية للسكان المدنيين.

ستنتهي الحرب على غزة كما انتهت كل الحروب التي سبقتها، وسيتم تدمير المدينة المكتظة بالسكان وستكون أعداد القتلى من المدنيين هي الغالبة، ولكن الحقيقة التي يجب أن يتذكرها الجميع هي أن كل الحروب السابقة استنسخت حروباً لحقتها وبقت القضية حية في ضمير كل باحث جاد عن حقوقه وعن السلام في المنطقة، ويظل الشريك الإسرائيلي هو الغائب الأكبر.

من المنطقي القول إن حركة "حماس" لا تمثل كل الشعب الفلسطيني، ولكنها حتماً تمثل قطاعاً واسعاً منه مصاباً بالإحباط حد اليأس، وكما ليس من المنطقي أن يصبح ربط الموقف من "حماس" بالموقف من إيران هو المحرك والدافع لإضعاف عدالة القضية، ويكفي الاعتراف بأن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ليس لها روابط بإيران ولا بـ"حزب الله"، ومع ذلك فإن إسرائيل تتعمد إهانتها وإذلالها، وتمارس سياسات القمع ضدها، وتمنع عنها كل مصادر التمويل التي تساعدها على تسيير شؤون المواطنين والقيام بمسؤولياتها.

حجم القتل والدمار الذي تقوم به إسرائيل في قطاع غزة لا يمكن تجاهله ولا منحه أي مبررات أخلاقية وسياسية وبطاقة براءة من الغرب لارتكاب مجازر علنية دونما حساب أو حتى انتقاد علني، ومن المؤسف أنه في الوقت الذي تتزايد الأصوات في الغرب وحتى داخل إسرائيل منددة بعقاب المدنيين في غزة، فإننا نسمع أصواتاً عربية وغربية تتغافل عن كل تلك الجرائم، ثم تحمل الفلسطينيين كامل المسؤولية عما يتعرضون له.

العالم أجمع يعرف المتسبب في هذا الدمار والحقد والكراهية، ويعلم ما هو المخرج وما هي الخطوات التي يتوجب اتخاذها، ولكنه، حماية لإسرائيل، تخلى عن كل المبادئ التي يتباهى بها في وجه معارضيها، ورمى جانباً كل الشعارات البراقة الكاذبة حول حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، ثم توارى صامتاً أمام من منع الدواء والغذاء عن المحاصرين داخل غزة، بينما يستمر في مسلسله المفضل: القتل والتدمير.