آخر تحديث :الجمعة-24 مايو 2024-01:32م

قصة .. التلفزيون الملون في عدن

الأربعاء - 07 يونيو 2023 - الساعة 12:43 م

احمد محمود السلامي
بقلم: احمد محمود السلامي
- ارشيف الكاتب



احمد محمود السلامي
في عام 1980 مر أقل من سنتين على المشروع التشيكي لتحديث الإذاعة والتلفزيون الابيض والسود ، ولم تلبث قيادة وزارة الإعلام ان تسترح من ذلك الهم حتى فوجئت بخبر البث التجريبي الملون لتلفزيون صنعاء يصل إلى عدن ولحج وبعض مناطق في أبين وشبوة ، وشكل هذا الحدث قلق كبير لدى القيادة السياسية في ظل توتر العلاقات بين الشطرين بعد الحرب التي اندلعت بينهما في فبراير 1979م ، وانتهت بتوقيع اتفاقية الكويت ، لكن ظلت حرب من نوع أخر تدور بين الشطرين خاصة في مجال الإعلام والبروباجندا الموجهة أحادية المنظور .   
عقدت اجتماعات عديدة لتدارس الواضع الطارئ وعكف عدد من الخبراء والمختصون لتقديم الأفكار والمقترحات التي فضت إلى ضرورة الإسراع في تنفيذ مشروع متكامل للبث الملون واحلال الأجهزة الحديثة لاستديوهات  وارسالات تلفزيون عدن ، حتى يغطي بثه الملون المناطق الشمالية الوسطى والبيضاء ورداع ومأرب . وفيما بعد حضرموت والمهرة التي كانت التي تعرض برامج تلفزيون عدن التي تسجل في التلفزيون وترسل مع رحلات الطيران المدني كل يوم.
في تلك الفترة قدمت الحكومة اليابانية منحة مالية بلادنا تقدر بأكثر من سبعين مليون دولار بشرط أن يصرف المبلغ في مشروع تنفذه شركة يابانية ، وكانت كل الآراء تتجه الى مشروع مبنى جديد لتلفزيون وإذاعة عدن . لكن للأسف رفضت هذه الفكرة من قبل مسؤول كبير في الدولة وجماعته . وحولت المنحة لمشروع مجاري عدن الكبرى الذي نفذته شركة كابوتا اليابانية .
أما المشروع الملون فقد الغيت منه فكرة المبنى الجديد واقتصر على الأجهزة والتقنيات وأبراج الاستقبال وإعادة البث ، وكان لابد التعاقد مع شركة أجنبية متخصصة في هذا الشأن .. لكن للمرة الثانية اعترض ذلك المسؤول الكبير على التعاقد مع شركات غربية وأصر كعادته على التوجه الى البلدان الاشتراكية وعقد الاتفاقيات معهم ( يقال عنه : إنه اشتراكي أكثر من لينين ) .
ولتفادي هذه المشكلة تم الاتفاق على إرسال وفد أو لجنة تسافر الى البلدان الاشتراكية الأوروبية لبحث إمكانية التعاقد وتطلع على نوع التكنولوجيا المستخدمة في قنواتهم التلفزيونية على أن تعود بتقرير مفصل عن الزيارة ، تشكلت اللجنة برئاسة فريد بركات مدير عام التلفزيون وعضوية ممثل عن الدائرة الهندسية في التلفزيون وممثل عن الحزب الاشتراكي اليمني وشخص أخر لا احد يعرفه . عادت اللجنة بعد أن زارت خمس بلدان اشتراكية هي المانيا الديمقراطية ، المجر ، تشيكوسلوفاكيا ، بلغاريا ، بولندا ، وقدمت تقريرها الذي اكد أن تلك البلدان تستخدم اجهزة غربية الصنع في قنواتها التلفزيونية والاذاعية .
ولهذا تم التعاقد مع شركة NEC اليابانية لتنفيذ المشروع . وبدا العمل أولا بتحديث الارسالات فتم نصب ابراج وقنوات تقوية البث وتحديث كل أجهزة الإرسال والاستقبال وإعادة البث التلفزيوني المنتشرة على الجبال من شمسان إلى جبل جحاف في الضالع وجبل ثرة في مكيراس وصولاً إلى المكلا والمهرة في مراحل لاحقه ، كما تم تركيب والهوائيات الخاصة بالبث المباشر لعربات النقل الخارجي في م/عدن والمناطق القريبة منها. واكبت هذا التحديث عملية تدريب المهندسين في الأقسام المهمة مثل الاستديوهات والكهرباء والتشغيل والإرسال التلفزيوني وتمت عملية التدريب في اليابان . 
اشتمل المشروع الملون في بدايته على غرفة تحكم رئيسية مرتبطة بأجهزة فيديو ملون قسم للتيليسنما ، وكذا عربة نقل خارجي  وكان يستفاد منها في تسجيل بعض البرامج في استديو (1) ، وتأهيل استديو2 الخاص بتسجيل برامج القطاعات . كما تم إنشاء استديو جديد للأخبار (استديو3 ) ، وهذا الاستديو الاخير (3) قام بتجهيزه مهندس اجنبي منتدب من الشركة وثلاثة فنيين من كادر التلفزيون كانوا يغلقوا الباب وينهمكوا في الشغل ، وقد حصل موقف معهم يوم 31 ديسمبر 1980م ارادوا الاحتفال برأس السنة مع الخبير اتوا بالكيك والمعجنات والمرطبات وفي الاستراحة احتفلوا ! واحد من الموظفين الذين يعملون بشكل سري مع أمن الدول (قعموص) بلغ الامن بموضوع الحفل فارسلوا ضابطين لإحضار الثلاثة الى مقر امن الدولة المجاور (الجيران) لنا بكل هدوء ، لكن الصدفة لعبت دورها في انقاذهم ، فقد صادفهم مدير عام التلفزيون فريد بركات وهو نازل من الدرجات الاخيرة لسلم مبنى البينو وسألهم : فين راحين ؟ وعندما عرف الموضوع امر الفنيين بالرجوع الى اعمالهم فوراً ، وقال للضابطين : باي حق تأخذوا موظفين من فوق اعمالهم هذا مرفق سيادي محترم له مدير وله قيادة لابد التنسيق معها قبل اي شيء ، بلّغوا من ارسلكم كلامي هذا ، انصرف الضابطان وانتهى الموقف في العلن . قبل شهر او اكثر بقليل من الافتتاح الرسمي للبث الملون نقل فريد بركات من منصبه الى منصب اخر وحُرم من نشوة وحلاوة الاحتفال في 8 مارس 1981م .