آخر تحديث :الأربعاء-22 مايو 2024-06:05م

الهيمنة على الحكم في اليمن وما ترتب عنها من صراعات !!

الجمعة - 31 ديسمبر 2021 - الساعة 02:46 م

د. امين العلياني
بقلم: د. امين العلياني
- ارشيف الكاتب


أثبتت الوقائع والحقائق منذ انطلاق الثورتين السبتمبرية شمالا ً والأكتوبرية جنوباً، من أن هنالك لا دولة وجدت وحكمت البلاد حكماً رشيداً يسود فيه العدالة والشفافية والمساواة، والسبب يعود في جوهره إلى الهيمنة على السلطة من خلال الأحزاب السياسية المتعددة الأيديولوجيات في البنى الفوقية وأثرها على البنى التحتية التي فشلت فشلاً في بناء دولة قوية قادرة على الصمود تجاه التحديات التي عصفت بالبلاد ومزقت النسيج الاجتماعي شر تمزيق. 
المتأمل اليوم يرى أن الهيمنة على السلطة من خلال الأحزاب السياسية التي تصدرت الحكم في الشمال والجنوب على السواء، لم تقدم نموذج جيد لشكل الدولة التي من أجلها ضحى الثوار وعملوا على رسم ملامحها. 
  ففي شمال اليمن المثخن بالأحزاب ترى المؤتمر الشعبي العام والتجمع الوحدوي الناصري وحزب البعث وغيره من الأحزاب من خلال هيمنة السلطة بيد شلة من البشر تحت سقف الحزبية لم تقدم لشمال اليمن غير الاقتتال والانقلابات وتمزيق الوطن هناك، إلى أشبه ما تكون حروب القبيلة مع نظيراتها من القبائل. وفي المقابل ترى السلطة وهيمنتها في يد الحزب الاشتراكي اليمني وبقية الأحزاب الطلائعية كالبعث والرابطة وغيرها التي انصهرت في صورة سلطة الحزب الواحد لم تقدم تجربة الدولة الجنوبية التي كان يأمل منه كحزب  يساري ليبرالي تقدمي بدليل دورات الصراع  والاقتتال الداخلي مما شكل ماضي البلاد صورة تؤرق الحاضر والمستقبل معا.

   وبعد أن توحد اليمن عام 1990م ترى السلطة قد انصهرت بين قطبي حزبين مثلا كل حزب طرف في المعادلة السياسية في الوقت الذي كان حزب المؤتمر الشعبي العام يفرخ من جسده الأيديولوجي حزب التجمع اليمني للإصلاح بهدف الاستقواء على السلطة على شريكه في السلطة الحزب الاشتراكي اليمني حتى مثلت الأحزاب أكثر أيديولوجية طرف صراع قوي انقلب على شريكهما بالسلطة والحكم في فترة لم تكن كبيرة واعني هنا حزيي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح اللذين تقاسما السلطة بصورة المنتصر في ما بعد حرب صيف 1994م، وهذا الاستقواء لم يسير في خطوات بناء الدولة بل سار في توطين القبيلة بمسميات الحزب وزرع الولاءات بهدف انتاج شراكة رأوا من خلالها أنه المسار الأنجح في بناء الدولة المدنية الحديثة المنشودة. 
 
  لم يستمر هذا الشراك على السلطة طويلا حتى تحول إلى دورة صراع قوية ومحتدمة في عام 2011  أدى إلى انهيار بنية الدولة حيث خرج فيها كل طرف راجعا إلى مرجعيته الأيديولوجية مهما تغمس صورة الفكر الليبرالي المسكون بأيديولوجية الانتماء الطائفي الديني السلالي من جهة والاسلام السياسي من جهة أخرى. ومعها ظلت الأحزاب السياسية الأخرى هامشية من المشاركة في السلطة ولم يكن لها من الحضور الفاعل نظرا لهيمنة السلالة في يد أحزاب الهضبة وهيمنتها على مقدرات الدولة تحت سقوف أيديولوجية أدت في الاخير إلى دورة صراع قوية أخرى في عام 2015م مما تبين أن لا وجود هناك لشيء اسمه دولة. 
 
  وتستمر اليوم حكاية السلطة في يد الأحزاب السياسية اليمنية تحت سقوف تكاد تكون على خطوط واحدة من الضعف وان انصهر غالبية حزب المؤتمر في حركة أنصار الله الحوثية لتشكل سلطة مهيمنة على بناء دولة هشة في شمال اليمن وتمثل حزب الإخوان الإصلاحيين مع بعض تشكلات الاحزب الأخرى هامشية السلطة في جسد الشرعية الدستورية الهشة أيضاً.

 ومع عام 2019 دخل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يمثل غالبية الجنوب مع مكونات حزبية لبيرالية وايديولوجية في مشاركة مع الشرعية في السلطة بوصفه ممثلا للجنوب وتطلعات قضيته العادلة إلا أن هناك ما زال في بنيته تنخر هيمنة السلطة بايدي حزبية في جسده الوليد في الوقت الذي يعلق عليه غالبية الجنوبيين أملهم الواعد، ومع هذا وذاك يظل لا وجود لشيء اسمه دولة.

السؤال هل تملك الأحزاب السياسية السلطة تجربة ناجحة في بناء الدولة المدنية الحديثة سواء أكان في شمال اليمن المثخن بالأحزاب الأيديولوجية ام في جنوب اليمن المثخن بماضي ما زال يؤرقه بفعل تلك الأحزاب؟!! في الوقت الذي ما زال شمال اليمن يعمل على تثوير جسد الجنوب بماضيه الأليم  ليهمن على السلطة حتى لا يقدر على الخروج من عباءة هذا الماضي.

ولنفترض تجربة سلطة الأحزاب السياسية في الجمهورية العربية التونسية الذي قام بحلها الرئيس قيس بن سعيد ليثبت لشعب تونس أن السلطة ليست ملكاً لحزب بل هي ملك للشعب ذاته  في الوقت الذي كانت السلطة منذ العقود الماضية بيد أحزاب  لم تنتج شيء اسمه بناء دولة قوية معاصرة تلبي احتياجات الشعب ويستمر اليوم في وضع طريق يتكىء عليه الرئيس قيس بن سعيد في خلق سلطة تبني دولة قوية بفعل الشعب الذي يشارك في بنائها من دون اتكأء على حزب بعينه  حتى تستطيع أن تخرج من عبق الماضي الذي لم يستطع أي حزب أن ينتج سلطة له بل يجب أن يكون الشعب هو الحزب وهو السلطة المأمولة التي تكون قادرة على وضع هيكل الدولة التي ينشده الشعب التونسي بعيدا عن مشاركة الأحزاب التي ترى السلطة ملكاً لها. .